حاول دهسها بسيارة واقتحم منزلها وهدّدها برسائل إلكترونية

ترجمة- كريم المالكي:

كيري داينز خبيرة جريمة، وطبيبة نفسيّة في الأدلّة الجنائيّة، من مدينة مانشستر في بريطانيا، بلغ بها الحال أنها انطوت على نفسها من شدّة الذعر الذي سيطر عليها بسبب مريض نفسيّ كان يطاردها. وتمكّن هذا المجنون من أن يزرع في داخلها رعباً وقلقاً مرضيّاً خطيراً، بحيث كانت لا تجرُؤ حتى على مُغادرة المنزل وقد حوّل حياتها إلى جحيم بسبب مُطاردته.

وتقول داينز ذات الـ 43 عاماً: بمجرد أن أمشي إلى أقرب سوبر ماركت يأخذ قلبي بالخفقان لشدّة الخوف. وفي كل مرّة يمرّ رجل من أمامي كنت أتساءل عما إذا كان هو المجنون الذي يتعقبّني. وينتابني شعورٌ بالضّعف في الأماكن العامة، أما في المنزل فتكون حالتي أسوأ من ذلك، فبمجرد أن أدخل أشعر بأنّني وحيدة، وأعيش في الجحيم. ولم أكن أتخيّل أن هذا المجنون الّذي يطاردني يمكن أن يجعلني بهذا القدر من الانهزام.

لأن داينز طبيبة نفسيّة مُتخصّصة بالأدلة الجنائيّة، فإنّها تتعامل مع أعتى المُجرمين، الّذين أُدين الكثير منهم بجرائم عنف ضدّ النّساء. ورُغم أنّها قامت بزيارة مثل هؤلاء الرّجال في السّجون، وقيّمتهم بقضايا المحاكم وعملت على إعادة تأهيلهم عندما أُطلق سراحهم، لكنّها لم تشعر أبداً أنها غير آمنة عند قيامها بعملها.

الفيلم أطلق شرارة المُطاردة

في عام 2008 ظهرت في فيلم وثائقيّ عن الجريمة شاهده رجلٌ لم تكن تعرفه، وبدأ منذ ذلك الحين يُطاردها، بحيث أنّه طوّر لديها هاجساً مرضيّاً. وفي عام 2011 تلقت داينز رسالة غريبة من رجل مجهول عن طريق الإنترنت. لقد اتّصل بصفحتها على الفيس بوك، وأخبرها بأنه ينشئ موقعاً إلكترونياً عنها، وطلب تفاصيل شخصيّة وصوراً فوتوغرافيّة للنّشر.

وتقول داينز: بدا هذا الرجل غريباً قليلاً، ولكنّه لم يُثرْ القلق لذلك أخبرته بأدب بأنني غير مُهتمّة بذلك، ومنعته من الاتّصال بي، ولكن عندما نظرت إلى الموقع الإلكتروني أدركت على الفور بأنه ليس بشخص مُعجب عاديّ. لقد نشر صوراً لي مأخوذة من صفحتي الشّخصية في الفيسبوك وعلّق ببعض تعليقات غريبة عن مظهري. كما علّق على ما ظهرت عليه عند ارتدائي ملابس معينة وأبدى بعض المُلاحظات الخاطئة عن شخصيّتي.

تحذيرات من الشّرطة

وكان الشيء المُخيف بالنّسبة لداينز أنه وصفها بملابس لم تكن ترتدي أيّ شيء منها عندما ظهرت على شاشة التلفزيون أو في الصّور على الإنترنت. وتملكتها نوبة هلع لأنها أدركت بأنه على الأرجح قد شاهدها في الحقيقة. وسارعت بالإبلاغ عنه لدى الشّرطة، التي ذهبت إلى منزله وحذّرته من سلوكه. ولكن بدلاً من أن يكون ذلك رادعاً له، بدا أن ذلك قد شجّعه، حيث إنه نشر على الإنترنت بأنه يعرف أين تعيش.

وتقول داينز: لقد بدأت الآن أشعر بعدم الأمان في بيتي، ورُغم أنني كنت دائماً مُستقلّة جداً، فجأة شعرت بمدى ضعفي في أن أكون امرأة عزباء تعيش وحدها. وقضيت العديد من الليالي بلا نوم، وأتساءل عما إذا كان كل ضجيج أسمعه قد يكون هو للرجل نفسه، وهو قادم إلى بيتي. وعندما كنت أغادر المنزل، كنت أرى في كل رجل يمشي في الشارع وكأنه تهديد؛ لأنّني لم أكن أعرف ما هو شكل الشّخص الّذي يُطاردني، وفجأة شعرت بأنني عاجزة جداً وبدأت أتساءل عما إذا كنت سوف أكون ضحية لجريمة، مثل بعض الحالات التي كنت قد عملت عليها في السّنين الماضية.

شكوى ودعوى مدنيّة

قالت لها الشرطة إنها لا تستطيع توجيه أي اتهام للرّجل إلا إذا كان لديها المزيد من الأدلّة، وطلبوا منها التّواصل مع سجل الحوادث. وانتقلت للعيش مع صديقة لها لبضعة أسابيع لتشعر بأمان أكثر، وعندما رجعت إلى منزلها اشترت كلباً كبيراً لحمايتها. ولكن حتى ذلك الحين وضع مُطاردِي موقعين عنّي على الإنترنت. وفي نوفمبر 2011 كان لديها ما يكفي فأقامت دعوى مدنية ضده، وتم استدعائه.

وتقول داينز: عندما وصلت للمحكمة، كانت فكرة رؤية مطاردي للمرة الأولى أمراً مُرعباً وحاولت عدم إعطائه القناعة بأنني أريد النّظر إليه. ولحسن الحظّ، في مارس 2012، حكم القاضي لصالحي وتمّ سحب المواقع الإلكترونية.

فقدان الثقة بالنّفس

وبعد حكم المحكمة كانت داينز سعيدة لعدم سماع أي شيء عن المُطارد، ولكن المحنة بدأت حقاً عندما تزعزعت ثقتها بنفسها. وبدأت ترفض الظهور بالتلفزيون والحديث، وتوقفت عن أخذ العديد من القضايا، واشترت كلب حراسة آخر. كما غيّرت خطّ عملها، حيث كانت تساعد ضحايا الجرائم على التعافي بدلاً من مُحاولة إعادة تأهيل الجناة.

وتضيف داينز: أعتقدت أن الصّدمة انتهت وحاولت الاستمرار بحياتي بأفضلَ ما أستطيع. ولكن بعد ذلك في يونيو 2016 تلقيت رسالة من مُطاردي يطالبني فيها بأن أدفع له 20659 جنيهاً إسترلينياً لتغطية تكاليف قضية المحكمة. كما أنه تجرأ وطلب تعويضاً بـ 150 إسترلينياً عن كل ساعة كان يقضيها في تطوير المُوقعين الإلكترونيين اللذين تمّ استدعاؤه بسببهما إلى المحكمة.

حياتها في خطر

كانت داينز غاضبة ولم تستطع أن تصدّق بأنه عاد إلى حياتها بعد كلّ هذا الوقت. وحاولت تجاهل الرسالة ونسيانها ولكن بعد فترة وجيزة وأثناء خروجها للتنزه مع كلبها جاءت سيارة مسرعة وكادت تضربها تقريباً. وعندما استدارت لمعرفة السّائق، تأكّدت أنه الشّخص الّذي يطاردها. ورغم أنها حاولت إقناع نفسها بأن ذلك إفراط في ردّ الفعل، فقد أصبحت قلقة من أن حياتها في خطر.

وبعد بضعة أسابيع وعند خروجها من الحمام شاهدت كلبيها ينظران نحو الباب الخلفيّ. وعندما ذهبت لتستطلع الأمر، وجدت قطتها ملقاة على ممشى الحديقة، وقد تم كسر عنقها وكانت ميتة. ثم نظرت لبوابة الحديقة ورأت أن شخصاً قد كتب عليها «جيل داندو» وهو اسم مذيعة بريطانية تمّ قتلها، وهو ما جعلها ترتعب.

تهديد واضح

قتلت جيل داندو التي كانت تعمل في هيئة الإذاعة البريطانية في أواخر تسعينيات القرن الماضي خارج منزلها في فولهام غرب لندن في أبريل عام 1999. ولم تتمكن داينز من القيام بشيء، ولكنها تأملت أوجه الشبه بين قصّة المذيعة وقصتها، فالاثنتان نساء وظهرتا على شاشة التلفزيون ببرامج تخصّ الجريمة. وقتلت في باب منزلها الأماميّ وهو المكان الذي قرأت فيه داينز الرسالة التي كتبت على بوابة منزلها.

وبدا وكأنه تحذير بالقتل لذلك اتصلت بالشرطة وجاءوا للتحقيق. واعتقلوا من يطاردها كظلّها لكن النيابة قرّرت بعدم وجود أدلّة كافية لمقاضاته، ولكنها وجهت له إنذاراً شديداً بعدم الاقتراب أو الاتّصال أو الاحتكاك.

العودة للحياة

كما قام طبيب نفسيّ من الشرطة بتقييمه واعتبره لا يشكّل خطراً على الآخرين، ورغم أنها أرادت تقييمه بنفسها، لكنها أكّدت أنها تثق في حكمهم. ومنذ أن أعطي مطاردها التحذير لم تسمع عنه، وتأمل ألا تسمع عنه أي شيء أبداً.

وتقول داينز: لفترة طويلة كنت أخاف جداً عند الخروج في الأماكن العامة وقلقة بشأن حياتي. وبقيت بعيدة عن الأضواء قدر الإمكان وكان كلباي، دائماً، إلى جانبي عندما أغادر المنزل. ولكني أدركت بأنه برفضي الظهور في التلفزيون، كنت أفعل بالضبط ما يريده مطاردي وهو أن أظلّ مُختفية بعيداً. وقبل فترة وافقت على الظهور في سلسلة جديدة على قناة ديسكفري، حول المجرمين الذين كذبوا عن جرائمهم. وقرّرت أيضاً التحدث عن تجربتي في المطاردة لتشجيع النساء الأخريات على المضي قدماً بحياتهن.

وختمت حديثها بأنه لا ينبغي العيش بخوف مما قد يفعله شخص ما، وأتمنّى أن يكون الحديث عن هذه المسألة، يصبّ في صالح تغيير القوانين لحماية الضحايا.

عن صحيفة الديلي إكسبريس البريطانيّة