بيروت - منى حسن:

تقع «قلعة راشيا» في بلدة راشيا، جنوب محافظة البقاع شرق لبنان، يعود بناء القلعة إلى القرن الحادي عشر في العهد الروماني، حين اهتم الصليبيون ببناء برج لحماية قوافل التجار الآتين من فلسطين نحو بلاد الشام ونقطة مراقبة وحماية لمواكب الحجاج والمسافرين عبر وادي التيم من دمشق إلى القدس في فلسطين وتأمين ومراقبة للقوافل التجارية التي كانت تنطلق من لبنان إلى البلدان المجاورة، ومنها إلى الموانئ العالمية.

وأصبحت القلعة إبّان الغزو الصليبي للشرق في العام 1099، حصناً عسكرياً ومركز تدريب للجنود، ليضيفوا لها في وقت لاحق أبراج مراقبة جديدة.

العزو الصليبي

لم يكن اللبنانيون يوماً يعلمون أن قلعة راشيا المنتصبة فوق منحدرات ثلاثة، على ارتفاع ألف و400 متر عن سطح البحر، المقابلة للأراضي السورية والفلسطينية، ستكون أيقونة تاريخية ترتبط باستقلال لبنان عن الاحتلال الفرنسي. وأصبحت القلعة إبّان الغزو الصليبي للشرق في العام 1099، حصنا دفاعياً عسكرياً ومركز تدريب للجنود، ليضيفوا لها في وقت لاحق أبراج مراقبة جديدة، أما مدخل القلعة فهو من جهة الجنوب. وهي تشبه بجدرانها السميكة وأقبيتها ودهاليزها المتعدّدة قلعة الشقيف الصليبية، وقناطرها تتماثل مع قناطر قصر بيت الدين ببناء وآثار رومانية، منها دهاليز بمسافة 1500م يصل إلى عين مري قرب مثلث العقبة - بكيفا، وكان يستعمل لحركة المقاتلين وتأمين التموين في حالات الحصار.

قلعة الاستقلال في 11 نوفمبر 1943 اعتقلت السلطات الفرنسية كلاً من الرئيس بشار الخوري والرئيس رياض الصلح ووزير الخارجية والأشغال العامة سليم تقلا ونائب لبنان الشمالي عبد الحميد كرامي ووزير التموين والتجارة والصناعة عادل عسيران ووزير الداخلية كميل شمعون وسجنتهم في غرف منفردة في القلعة بسبب تحرّكاتهم نحو الاستقلال. وأطلقتهم في 22 نوفمبر 1943 والذي يعد يوم الاستقلال اللبناني. بعد جلاء القوات الفرنسية عام 1946 تمركزت في القلعة قوات من الدرك اللبناني وبعض الإدارات الرسمية، ثم تسلمها الجيش اللبناني في 1 سبتمبر 1964 ولا تزال في عهدته حتى اليوم.

ويوم أفرجت سلطات الاحتلال الفرنسي عن رجالات الاستقلال تلقفهم المواطنون عند مدخل القلعة حيث حملوا على الأكتاف وسط الزغاريد، واخترق موكب التحرير سوق راشيا الأثري وسط حشود شعبية تقاطرت من مختلف المناطق اللبنانية، وغادر رجالات الاستقلال وخلفهم ظلال قامات تشع عنداً ومروءة كلما عادت الذكرى واستذكر الرجال.

معالم أثرية وأقبية

ومن معالم القلعة النادرة إيوان القناطر في الجهة الجنوبية الشبيه بقناطر قصر بيت الدين، إضافة إلى السراديب التي يبلغ طولها نحو 1500 متر وتقود إلى نقاط بعيدة من الأسوار كان يستخدمها الصليبيون لجلب المؤن والمياه في حال إطالة الحصار على الحصن الذي يزيد ارتفاعه على 1400 متر. وقد حوّل الجيش اللبناني بعض الأقبية والسراديب إلى معارض وقاعات استقبال.

وتتصدّر المكان لوحتان رخاميتان، الأولى تحمل أسماء 159 فرنسياً قتلوا خلال معركة 22 (نوفمبر) عام1925. والثانية تحمل أسماء 100 شهيد من راشيا وجوارها سقطوا خلال تلك المعركة في مواجهة الغزاة الفرنسيين.

أقسام القلعة

قسّم بناء قلعة راشيا التاريخية إلى أربعة أقسام:

أولاً: بناء وآثار رومانية، منها دهاليز من الجهة الجنوبية الغربية يؤدي إلى خارجها، كان يستخدم كمدخل لتموين المتمركزين في القلعة.

ثانياً: أبنية وآثار صليبية هي الآبار المنحوتة بالصخر والتي ردمت ولم يبقَ منها سوى بئر واحدة صالحة للاستعمال، والأقبية السفلية للقلعة وهي: القاعة الأثرية الكبرى، ومخزن من الجهة الشمالية الشرقية، والبرج من الجهة الغربية الجنوبية وهو أعلى نقطة في القلعة.

ثالثاً: أبنية وآثار شهابية: في العام 1370 ميلادية، تولى الأمير أبو بكر الشهابي ولاية حاصبيا، وكان يأتي برفقة زوجته وابنته إلى راشيا للصيد والقنص، فبنى له منزلاً داخل القلعة، كما بنى الشهابيون مدخل القلعة والسور والقناطر من الجهة الجنوبية الغربية، وفي صدرها لوحة حجرية منقوشة بدقة.

رابعاً: في العام 1920 دخل الفرنسيون القلعة وأكملوا بناء السور الشرقي مستخدمين حجارة المنازل المحيطة بها. وبعدها عمدوا إلى مسح معالمها الأثرية من طريق ترميم الجدران وطليها بالإسمنت.

السوق الأثري

يقع السوق الأثري وسط البلدة مُحاطاً بقرابة 36 بناء قديماً، وهو مرصوص بالحجارة في شكل هندسي متقن وطوله 250 متراً، ويعود تاريخه إلى القرن السابع عشر. وتم رصفه العام 1927 بإشراف السلطات الفرنسية من قبل المعلم الشويري شكري عبدالأحد. واهتمت وزارة السياحة بإعادة ترميمه وإنارته العام 1997، ويصنّف من الأسواق الأثرية. وهو السوق التراثي الوحيد في منطقة البقاع. هذا ودرجت العادة أن يزور القلعة وفق تقليد سنوي ممثلو الرؤساء الثلاثة حيث يتفقدون الغرف التي اعتقل فيها رجال الاستقلال ويدوّنون كلمات في السجل الذهبي في قاعة الشرف.