إن الوسيلة الأولى لإصلاح  النفس وتزكية القلب والوقاية من المشكلات وعلاجها هو العلم ، وعليه فمن أراد النجاح وأراد الزكاة والصلاح فلا طريق له سوى الوحيين الكتاب والسنة : قراءة وحفظا وتعلما.

ولو تأملنا في حال سلفنا الصالح بدءاً من النبي ‘ وانتهاءً بالمعاصرين من الصالحين لوجدنا أن القاسم المشترك بينهم هو قراءة القرآن في الصلاة عامة وفي صلاة الليل خاصة ، والعمل المتفق عليه عندهم الذي لا يرون  الإخلال به ، ولا التفريط فيه حضراً ولا سفراً ، صحة ولاسقماً ؛ هو الحزب من القرآن ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله  ‘ : « من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل»إنه الحرص على عدم فواته مهما حالت دونه الحوائل أو اعترضته العوارض إنهم يعلمون يقينا أن هذا هو غذاء القلب الذي لا يحيا بدونه ،إنهم يحرصون على غذاء القلب قبل غذاء البدن ويشعرون بالنقص متى حصل شئ من ذلك بعكس المفرطين الذين لا يشعرون إلا بجوع أبدانهم وعطشها أو مرضها وألمها ، أما ألم القلوب وعطشها وجوعها فلا سبيل لهم إلى الإحساس به.

إن العبد إذا تعلق قلبه بكتاب ربه فتيقن أن نجاحه و نجاته ، سعادته وقوته  في قراءته وتدبره  تكون هذه البداية للانطلاق في مراقي النجاح وسلم الفلاح في الدنيا والآخرة.

قال سهل بن عبد الله التستري :  « لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه لأنه كلام  الله وكلامه صفته وكما أنه ليس لله نهاية فكذلك لا نهاية لفهم كلامه .. وإنما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله على قلبه وكلام الله غير مخلوق ولا يبلغ إلى نهاية فهمه فهوم محدثة مخلوقة « اهـ  وهذا كلام صحيح والتجربة والواقع يشهد بذلك فإن الناس يتفاوتون في فهمهم وإداركهم لآيات القرآن الكريم وتنزيلها على أمور حياتهم ، وأيضا فإن الشخص نفسه قد ينفتح له فهم لبعض الآيات ويتأثر بها ويأتي في وقت آخر يقف أمام الآية وقد أغلقت دونه ، يقف أمامها ويقول لقد تأثرت بهذه الآية يوما من الأيام فأين ذاك التأثر أين ذاك الفهم ؟

إن فهم القرآن وتدبره مواهب من الكريم الوهاب يعطيها لمن صدق في طلبها وسلك الأسباب الموصلة إليها بجد واجتهاد أما المتكئ على أريكته المشتغل بشهوات الدنيا ويريد فهم القرآن فهيهات هيهات ولو تمنى على الله الأماني.

إن آلة فهم القرآن هو القلب ، وأن القلب بيد الله تعالى يقلبه كيف شاء ، يفتحه متى شاء ويقفله متى شاء . وفتح القلب للقرآن يكون بأمرين : الأول : دوام التضرع إلى الله تعالى وسؤاله ذلك ، والثاني : القراءة المكثفة عن عظمة القرآن وأهميته وحال السلف معه.

وأ ينبغي أن نعرف قيمة القرآن وعظمته وأن نستحضر الأهداف والمقاصد التي من أجلها نقرؤه فدائما اسال نفسك لماذا أريد قراءة القرآن ؟ ولتكن الإجابة واضحة مفصلة وإن كانت مكتوبة فذاك أولى ، والمقاصد الأساسية لقراءة القرآن خمسة : العلم ، العمل ، المناجاة ، الثواب ، الشفاء .

وأما المبحث الثالث :فكان الحديث فيه عن إجابة سؤال مهم : كيف نقرأ القرآن الكريم ، وكيف هنا متوجهة إلى الأحوال والكيفيات التي تحقق أعلى قدر من التركيز والعمق في فهم القرآن الكريم ، فكل واحد منها يعطي درجة في التركيز والفهم وهي : أن تكون القراءة في صلاة ، في ليل ، بترتيل ، وجهر ، وتكرار ، وربط ، مع ختم المقدار الذي يقرأ ويراد حصول تدبره كل أسبوع.

مفاتيح تدبر القرآن عشرة

 مجموعة في قولك : «لإصلاح ترتج
(ل) قلب ، والمعنى أن القلب هو آلة فهم القرآن ، والقلب بيد الله تعالى يقلبه كيف شاء ، والعبد مفتقر إلى ربه ليفتح قلبه للقرآن فيطلع على خزائنه وكنوزه

(أ) أهداف أو أهمية : أي استحضار أهداف قراءة القرآن ؟ أي لماذا تقرأ القرآن .
(ص) صلاة  : أن تكون القراءة في صلاة .
(ل) ليل: أن تكون القراءة والصلاة في ليل .أي وقت الصفاء والتركيز
(أ) أسبوع : أن يكرر ما يقرؤه من القرآن كل أسبوع .حتى لو لجزء منه .
(ح) حفظا : أن تكون القراءة حفظا عن ظهر قلب بحيث يحصل التركيز التام وانطباع الآيات عند القراءة .
(ت) تكرار : تكرار الآيات وترديدها .
(ر) ربط  : ربط الآيات بواقعك اليومي وبنظرتك للحياة .
(ت) ترتيل وترسل : الترتيل والترسل في القراءة . وعدم العجلة إذ المقصود هوالفهم وليس الكم وهذه مشكلة الكثيرين وهم بهذا الاستعجال يفوتون على أنفسهم خيرا عظيما.

(ج) جهرا : الجهر بالقراءة . ليقوى التركيز ويكون التوصيل بجهتين بدلا من واحدة أي الصورة والصوت.

وإن مما يتأكد التنبيه عليه عدم قصر وحصر النجاح في تدبر القرآن على هذه المفاتح ، فما هي إلا أسباب والنتائج بيد الله تعالى يعطيها من شاء ويمنعها من شاء .فلا يعني - مثلا - إذا قلنا : من مفاتح تدبر القرآن أن تكون القراءة في ليل ، أن قراءة النهار لا تفيد وملغاة .وإذا قلنا : أن تكون القراءة في صلاة ، أن القراءة خارج الصلاة لا تحقق التدبر .فالحصر والقصر غير صحيح بل القرآن كله مؤثر يؤثر في كل وقت وعلى أي حال متى شاء الله ذلك . وما أقوله إن هي إلا وسائل بحسب الاستقراء من النصوص وحال السلف وهي أسباب يسلكها كل مريد للانتفاع بالقرآن بشكل أكبر وأعمق وأشمل .وهي أسباب نذكر بها من حرم من تدبر القرآن وهو يريده ، نقول له اسلك هذه الأسباب لعل الله إذا رأى  مجاهدتك في هذا الأمر وعلم منك صدقك أن يفتح لك خزائن كتابه تتنعم فيها في الدنيا قبل الآخرة .

إن التلذذ بالقرآن لمن فتحت له أبوابه لا يعادله أي لذة أو متعة في هذه الحياة ولكن أكثرالناس لا يعلمون.

ذكر الله تعالى في كتابه الكريم علامات وصفات تصف حقيقة تدبر القرآن وتوضحه بجلاء من ذلك :

‭{‬وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ‭}‬ (83) سورة المائدة) ،‭{‬إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‭}‬ ( (2) سورة الأنفال )  ‭{‬وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا‭}‬ (73) سورة الفرقان) فتحصل من الآيات السابقة سبع علامات هي:

1- اجتماع القلب والفكر حين القراءة  ، 2-  البكاء من خشية الله ، 3-  زيادة الخشوع ، 4- زيادة الإيمان ، 5-  الفرح والاستبشار ، 6-  القشعريرة خوفا من الله تعالى ثم غلبة الرجاء والسكينة ، 7- السجود تعظيما لله عز وجل .

فمن وجد واحدة من هذه الصفات أو أكثر فقد وصل إلى حالة التدبر والتفكر ، أما من لم يحصل أيا من هذه العلامات فهو محروم من تدبر القرآن ولم يصل بعد إلى شئ من كنوزه وذخائره .قال إبراهيم التيمي : من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق ألا يكون أوتي علما لأن الله نعت العلماء .. ثم تلا قول الله تعالى : ‭{‬قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا . وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً . وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا‭}‬ (107-109) سورة الإسراء) (1) ، وعن أسماء بنت أبي بكر _ما قالت : كان أصحاب النبي ‘ إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم «  (2)

ثالثا : مفهوم  خطأ لمعنى التدبر

إن مما يصرف كثيرا من المسلمين عن تدبر القرآن والتفكر فيه وتذكر ما فيه من المعاني العظيمة اعتقادهم صعوبة فهم القرآن وهذا خطأ  لمفهوم تدبر القرآن  وانصراف عن الغاية التي من أجلها أنزل  ، فالقرآن أولا كتاب تربية وتعليم ، وكتاب هداية وبصائر لكل الناس ، كتاب هدى ورحمة وبشرى للمؤمنين ، كتاب قد يسر الله تعالى فهمه وتدبره  كما قال تعالى : ‭{‬وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ‭}‬( (17) سورة القمر)  ، قال ابن هبيرة : « ومن مكايد الشيطان تنفيره عباد الله من تدبر القرآن لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر فيقول هذه مخاطرة حتى يقول الإنسان أنا لا أتكلم في القرآن تورعا «  (1) ،قال الشاطبي :» فمن حيث كان القرآن معجزا أفحم الفصحاء وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله فذلك لا يخرجه عن كونه عربيا جاريا على أساليب كلام العرب ميسرا للفهم فيه عن الله ما أمر به ونهى « اهـ   (2)  ، قال ابن القيم : « من قال إن له تأولا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج « اهـ  (3)،  ويقول الصنعاني : « فإن من قرع سمعه قوله تعالى : ‭{‬ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‭}‬ (20) سورة المزمل) يفهم معناه دون أن يعرف أن ( ما ) كلمة شرط ، و ( تقدموا ) مجزوم بها لأنه شرطها ، و ( تجدوه ) مجزوم بها لأنه جزاؤها ، ومثلها كثير ... فياليت شعري !  ما الذي خص الكتاب والسنة بالمنع عن معرفة معانيها وفهم تراكيبها ومبانيها.. حتى جعلت كالمقصورات في الخيام .. ولم يبق لنا إلاترديد ألفاظها وحروفها ... « اهـ   (4).
إن الصحيح والحق في هذه المسألة أن القرآن معظمه واضح وبين وظاهر لكل الناس ، كما قال ابن عباس :  التفسير على أربعة أوجه : «وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر احد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله «  (5) ومعظم القرآن من القسمين الأولين . إن عدد آيات الاحكام في القرآن 500 آية ، وعدد آيات القرآن 6236 آية .

إن فهم الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والعلم بالله واليوم الآخر لا يشترط له فهم المصطلحات العلمية الدقيقة من نحوية وبلاغية وأصولية وفقهية .  فمعظم القرآن بين واضح ظاهر يدرك معناه الصغير والكبير ، والعالم والأمي ، فحينما سمع الأعرابي قول الله تعالى : ‭{‬فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ‭}‬ (23) سورة الذاريات)  قال : من ذا الذي أغضب الجليل حتى أقسم . وحينما أخطأ إمام في قراءة آية النحل ‭{‬ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ‭}‬ (26) سورة النحل )  قرأها من تحتهم  صوب له خطأه امرأة عجوز لا تقرأ ولا تكتب  ، إن القرآن بين واضح ظاهر وفهمه وفقهه وتدبره ليس صعبا  بحيث نغلق عقولنا ونعلق فهمه كله بالرجوع إلى كتب التفسير ،  فنعمم حكم الأقل على الكل فهذا مفهوم خاطئ وهو نوع من التسويف في تدبر القرآن وفهمه .

إن إغلاق عقولنا عن تدبر القرآن بحجة عدم معرفة تفسيره ، والاكتفاء بقراءة ألفاظه مدخل من مداخل الشيطان على العبد ليصرفه عن الاهتداء به . وإذا سلمنا بهذه الحجة فإن العقل والمنطق والحزم والحكمة أنك إذا أشكل عليك معنى آية أن تبادر وتسارع للبحث عن معناها والمراد بها لا أن تغلق عقلك فتقرأ دون تدبر أو تترك القراءة .
د.خالد بن عبد الكريم
أستاذ القرآن وعلومه المساعد
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية