الخرطوم- عادل أحمد صديق:

نقش اسمه على جدار التاريخ بعد أن حكم دارفور بكل مساحتها، ووحد قبائلها وأعراقها بطريقته الخاصة، رجل لا تذكر دارفور وعزم أهلها إلا ورفرف اسمه عالياً، بذل جهوده من أجل الإسلام وإعلاء شأنه وأهله، ذلك هو السلطان علي دينار ابن سلاطين الفور وحفيد الشريف أحمد "المعقور"، فتح الخلاوي للنساء والرجال وكان هناك فقيه للرجال وفقيهة للنساء، كان شاعراً في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم وله كتاب اسمه "المديح في وصف النبي المليح" موجود بجامعة الخرطوم، وكان سنوياً يرسل كسوة الكعبة الشريفة، وله آبار لا تزال تحمل اسمه بالقرب من الحرم المكي، ولد بمدينة الفاشر وظل يقاوم المستعمر الإنجليزي حتى استشهاده في 6 نوفمبر 1916م.

وبمناسبة مئوية استشهاده التقت  الراية  بإحدى حفيداته الأميرة سعاد مزمل علي دينار حيث أوضحت الكثير من المعلومات عن جدها آخر سلاطين دارفور الأقوياء.

وإلى التفاصيل.

 

> كيف كانت حياة السلطان علي دينار؟.

- كان رجل دولة يتمتع بالحنكة والحكمة والذكاء وبالتالي هذه المقومات انعكست على حياته داخل الأسرة وداخل العائلة ومن ثم على المجتمع الدارفوري في ذلك الزمن أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.

ولد جدي سنة 1865 والدته أم كلثوم المنصورية وكان وحيد والديه وله شقيقة واحدة ولذلك قرر أن يكثر من أسرته وتزوج أكثر من عشر نساء كانت أربع منهن في عصمته والتي تطلق لا تغادر القصر وإنما تبقى مع أبنائها ويبلغ عدد أفراد أسرته 104 من البنين والبنات توفاهم الله ولكن بقيت على قيد الحياة الآن بنت واحدة الأميرة حرم التي تجاوز عمرها الـ 102 عام. كما لديه أكثر من ألف حفيد من بينهم حفيد سوري.

وقد أخطأت بعض الصحف التي قالت إن السلطان علي دينار هو شهريار السودان لكثرة زوجاته وأعتقد أن التشبيه ليس صحيحاً وتعدد زوجاته استطاع أن يسبق به عصره حيث كانت زوجاته من مختلف قبائل السودان مما عزز التعايش الاجتماعي بين القبائل إضافة إلى أن زواجه من بعض القبائل كان حلا وحقنا للدماء التي كانت تسيل جراء الاحترابات في ذلك العصر .

وكان السلطان دينار يدير شؤون أسرته كأي أب، وكان يخصص يوم الجمعة أسبوعياً لأسرته يجلس معهم ويتفقد أحوالهم ويتابعهم.

> كيف كانت العلاقات الخارجية للسلطان دينار؟

- كانت علاقاته متميزة وخاصة مع السلطان العثماني عبد الحميد حيث نشأت بينهما صداقة ممتدة إضافة إلى وقوفه معه ضد الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، كذلك كانت له علاقات طيبة مع الملك الليبي السنوسي والبطل عمر المختار الذي استنجد بدينار وطلب إمداده بالمياه والأسلحة وكان لدينار مصنع أسلحة صغير استطاع أن يوفر منه لعمر المختار ما طلبه من أسلحة خفيفة في ذلك العصر (بنادق تقليدية) وأرسلها له عبر الحدود الشمالية الغربية الصحراوية بين السودان وليبيا، مما يؤكد تضامن ووقوف السلطان دينار مع كل جبهات المقاومة العربية ضد الاستعمار أيا كان شكله.

> كيف كانت علاقته بالثورة المهدية؟

- حينما قامت الثورة المهدية عام 1881م كان دينار شاباً عمره 16 عاماً والتقى بالإمام المهدي مرتين ثم حارب مع الخليفة عبد الله التعايشى في آخر المعارك (كرري) ورجع بعد المعركة إلى دارفور حيث تم تتويجه سلطاناً يحكم بالشريعة الإسلامية وأرسى حكماً راشداً ولم يكن قاسياً مع رعيته وقام بضرب عملة محلية اسمها باللهجة الدارفورية (ردينا) وتعني رضينا بها ووافقنا عليها إضافة إلى ذلك كان السلطان دينار قومياً ولم يكن جهويا أو متعصباً لدارفوريته ولذلك كان معظم وزراء السلطنة من مختلف قبائل السودان من الشمال والشرق والغرب والوسط، فمثلا قائد الجيش كان (شايقيا) ومدربو الجيش كانوا من أبناء الريف أي مواليد مصريين وأقباط حمر السحنات وقد تولى الحكم وعمره 18 عاماً وحينما استشهد كان عمره 41 عاماً ورغم صغر سنه فقد أدار الأمور بحنكة ودراية وحكمة بعد أن أخذ قسطاً وافراً من التربية الحميدة على يد خاله مكي المنصوري. أما علاقته الأسرية بأسرة الإمام المهدي فالسلطان دينار هو خال الإمام عبد الرحمن المهدى ابن المهدي الأكبر حيث والدة عبد الرحمن المهدي هي (مقبولة) وهى بنت الأمير نورين محمد الفضل عم السلطان علي دينار.

> من أين جاءت تسميته بدينار؟

- اسمه الأصلي محمد علي أما دينار فتعني باللهجة الدارفورية (دي نار) أي أن هذا الشخص رجل نار وصعب وقوي وحار وجاهز ومستعد وشجاع فسار الاسم دينار.

> كيف ولماذا قام دينار بكسوة الكعبة المشرفة؟

- كسوة الكعبة الشريفة اشترك فيها كل النسيج الاجتماعي بدارفور لعظمة المهمة فقد تبرعت النساء بالذهب مساهمة في محمل السلطان علي دينار الذي لم يقتصر فقط على كسوة الكعبة وإنما شمل أغذية ومحاصيل مثل السمسم والدخن والذرة والزيوت واللحوم المجففة وكان يقام احتفال كبير لوداع المحمل الذي تستغرق رحلته الثلاثة أشهر يعبر فيها ثلاث دول عربية هي مصر والأردن ثم يصل مكة المكرمة.

> ماهي أبرز المواقف المختلفة للسلطان دينار في جميع الأصعدة؟

- يعتبر السلطان علي دينار أول من قام بإنشاء حديقة حيوان في أفريقيا حيث استجلب عدداً من الحيوانات من خارج السودان وداخله وحفظها في حديقة ولم تكن من قبل موجودة في أفريقيا حتى نهاية القرن التاسع عشر، وقام بتشجير الفاشر العاصمة السلطانية والمعروف في ذلك العصر شح المياه بالمدينة وتساءل الناس كيف يمكن ري الأشجار التي أمر دينار بزراعتها فقال لهم كل واحد حينما يتوضأ للصلاة عليه أن يتوضأ في مكان الشجرة التي شتلها حتى تجد الماء يومياً خمس مرات وبمقدار بسيط يمكن أن تروى ونجحت الخطة ونمت الأشجار كثيفة.

> حديثنا عن تأسيسه لمبدأ العدالة المجتمعية ومساهماته الاجتماعية؟

- قام السلطان دينار بتأسيس العدالة المجتمعية عن طريق (قاض أطرش) وهى شجرة كبيرة وسط القصر كل من يقف تحتها يعني أن لديه مظلمة وحينما يراه السلطان ينزل إليه ويستمع لشكواه وينصفه فوراً.

وهذا الموقف العدلي يعزز بعدم وجود حاجز بين السلطان ورعيته إلا أن المستعمر حاول تشويه صورته بدمغها بالقسوة والتسلط لترسخ في ذهنية الأجيال التالية بهدف محو صورة البطل السوداني العادل والذي وقف شوكة أمام تقدم المد الاستعماري حتى دارفور وقام السلطان دينار بإرسال شحنة ذهب من دارفور حتى الأستانة للسلطان عبدالحميد حتى يسهم في إنعاش الاقتصاد العثماني الذي عانى من كثرة نفقات الإنفاق على فتوحات الدولة العثمانية وامتدادها في أوروبا وشمال أفريقيا في ذلك العص .

كانت علاقته قوية بالسلطان العثماني وكان يعتبره مثله سليل سلاطين وكان يراسله ويستشير كل منهم الآخر في أمور كثيرة وهناك خطابات متبادلة بينهما موجودة في متحف بتركيا وقد بنى قصره بأياد تركية.