• انتقلنا من السكن في كهوف المدرج الروماني إلى بناء بيوت خاصة بنا
  • الشراكسة في جرش عملوا بالزراعة وترميم الآثار مع البعثات الأجنبية
  • عاصفة أجبرت سفينة نقل شراكسة على التوجه من قبرص إلى فلسطين
  • الشركس قوقازيون.. وروسيا حاربت 10 سنوات للاستيلاء على إقليمهم

عمان- أسعد العزوني:

قال الباحث الأردني من أصل شركسي جودت ناشخو إن الحرب القيصرية التي شنتها روسيا على إقليم القوقاز أجبرت 1.4 مليون شركسي على مغادرة بلادهم وجعلها شبه خالية من السكان.

وأضاف في حوار مع الراية عقب عودته من القوقاز إن قرية عمّان «العاصمة عمان حالياً» كانت محطتهم الأولى في الأردن، موضحاً أن العثمانيين فتحوا للشركس باب الهجرة للأردن للوقوف أمام الأطماع الإنجليزية في مصر وجزيرة العرب.

وإلى نص الحوار:

ما هي الأسباب التي أدت إلى هجرة الشركس للأردن وبلاد الشام ومتى كان ذلك؟

كان الشركس خلال القرن الثامن عشر منعزلين في بلادهم بشمال القوقاز لوجودهم بين أعدائهم الروس في الشمال وجيرانهم العثمانيين في الجنوب، وكان للعثمانيين بعض النفوذ في عدة أنحاء من إقليم القوقاز.

وعندما عقدت الدولة العثمانية معاهدة أدرنه مع روسيا عام 1829 وتنازلت عن إقليم القوقاز بدأت الحرب بين روسيا القيصرية وشعوب شمال القفقاز من الشركس والشيشان والداغستان، وقامت جيوش روسية بفرض حصار بحري على الإقليم، وقامت جيوش برية بالزحف للاستيلاء على الإقليم بالقوة، واستمرت الحرب الضروس لعشر سنوات، وأدت إلى هجرة 1.4 مليون شركسي من القوقاز، وأصبح الإقليم شبه خال من السكان، وانهار الحاجز البشري الذي كان يفصل العثمانيين عن الروس.

عندها حاول العثمانيون الاستفادة من هذه الهجرة اقتصادياً وعسكرياً، وخططت لإسكان الشركس في بلاد البلغار والبلقان لخلق أكثرية مسلمة هناك وبناء حاجز بشري قوي يفصل إسطنبول عن أوروبا، كما أقدمت على إسكان من هاجر من الشركس إليها على الحدود اليونانية والصربية ورومانيا والحدود المتاخمة لروسيا، غضب القيصر الروسي، وانتقل الشركس إلى الأناضول ثم ولاية سوريا، ومن ثم أنشأت الدولة العثمانية ولاية عمّان لإسكان المهاجرين الشركس فيها وتضم لواء البلقاء ولواء حوران للوقوف أمام الأطماع الإنجليزية في السيطرة على مصر والجزيرة العربية، وتم تسهيل الهجرة إليها عام 1887، علماً أن أول هجرة لسوريا كانت عام 1878 على متن سفينة نمساوية لكن عاصفة أجبرتها على التوجه لقبرص بعد مقتل 500 مهاجر، ونزل الناجون في قيساريا بفلسطين.

ما هو الأثر الذي أحدثه المهجرون الشركس في الأردن؟

أصبحت عمان بعد مجيئنا إليها عام 1878 مركز ناحية تتبع قضاء السلط، وأصبح فيها عام 1910 خمسمائة بيت للشركس و100 دكان، ووصل عدد سكان لواء البلقاء في ذلك العام 110 آلاف نسمة منهم ألفان من المسيحيين، وكانت مياه نهر الزرقاء عميقة وتتدفق بقوة، وكان الناس يسبحون فيها، كما أن النهر كان مليئاً بالسمك.

انتقل الشركس لاحقاً من العيش بكهوف المدرج الروماني إلى بناء المنازل الخاصة، وكانوا راضين بحياتهم، وقد أنعشوا المنطقة وزرعوها، وأصبحوا يمتلكون الماشية أكثر من البدو، وكانوا يستخدمون الخيول الصغيرة لجر المركبات، وقامت تحالفات عديدة بينهم وبين العشائر البدوية الأردنية مثل بني صخر في البلقاء.

بلغت خانات «عائلات» الشركس في عمان 43 خانة عام 1884 ضمت 162 شخصاً منهم 90 ذكراً و72 أنثى، وتطورت القرية الشركسية عام 1890 وأصبحت تضم شارعين أحدهما لإقامة الدكاكين التجارية عليه، وتم إنشاء سوق تجاري مهم كما أنشئ مخبز شعبي عام، وشق الشركس طريقاً بين عمان وقرية وادي السير بواسطة عرباتهم المصنوعة من خشب الصفصاف الذي كان موجوداً بكثرة في حوض نهر الزرقاء، وبحسب المؤرخ «بلس» فإن عمان عام 1895 أصبحت بلدة حافلة بالنشاط وعلى قدر كبير من الترتيب، وأصبح لكل غرفة موقد ولكل منزل شرفة، وكانت ساحات بيوتها نظيفة ويبدو على الناس جو من الحرية والاستقلال، ووصل عدد سكانها عام 1893 ألف نسمة من الشراكسة، وتضاعف العدد إلى ألفين عام 1909.

أين أقام الشركس بعيداً عن عمان وناعور ؟

استوطن الشركس قرية صويلح غرب عمان بالقرب من الشيشان الذين سبقوهم بالهجرة إلى الأردن عام 1905، وقد زار ميرزا باشا زعيم الشراكسة آنذاك في الأردن وجهاء عشائر الشيشان في صويلح، وطلب منهم السماح بإسكان عدد من المهاجرين الشراكسة من قبيلة القبرطاي الشركسية، ووافقوا على ذلك، وتنازل لهم الشيشان عن بعض الأراضي.

كما سكن بعض الشركس في قرية جرش عام 1882 بعد نزاع جرى بين شراكسة قرية القنيطرة في هضبة الجولان وبين عشائر الفضل، وقامت الحكومة العثمانية بإرسال هذا الفوج إلى منطقة جرش، لوفرة المياه والأراضي الزراعية، وكان ذلك في عهد السلطان العثماني عبد الحميد خان الغازي، وكان عدد الفوج 200 عائلة، فيما كان عدد سكان جرش آنذاك 300 نسمة ارتفع بعد مجيء الشركس إلى 1500.

عمل الشراكسة في جرش بالزراعة وكانوا يزرعون الذرة، وعملوا مع البعثات الأجنبية لترميم الآثار المهدمة في المدينة الرومانية القديمة، وتولوا عام 1890 وظيفة إرشاد السياح القلائل الذين كانوا يأتون إلى المنطقة.

حدثنا عن علاقات الشركس ببلاد الشام عموماً؟

بدأت علاقة الشركس ببلاد الشام من خلال رحلات الحج، حيث كانوا يعودون عبر بلاد الشام إلى تركيا فبلاد القفقاز، ومن هؤلاء الشيخ حسين قات الذي أدى فريضة الحج عام 1890 عبر البحر ومرت سفينته في ميناء عكا بفلسطين وواصل إلى البحر الحمر إلى الأراضي المقدسة، وأقنع أربعين عائلة من الشركس من عشائر الأبزاخ والشابسوغ والبجدوغ والأوبيخ وعائلة واحدة من القبطاي بالهجرة إلى بلاد الشام، ووصل الفوج بيروت بحرا عام 1900، وكان قائد الدرك العام في ولاية سوريا «خسروف باشا» شركسي الأصل من عشيرة الأوبيخ، كما كان قائمقام مدينة بيروت أيضا شركسياً من عائلة «تختامور»، وقدما بدورهما العون للفوج المهاجر فيما يتعلق بوسائل النقل والحماية، وسمي ذلك العام بعام الملاريا حيث فتكت الملاريا بالأهالي وأمراض أخرى بالحيوانات والطيور حتى إن أهالي السلط، لم يجدوا بيضة واحدة طلبتها سيدة شركسية وهي تحتضر على فراش الموت، إثر إصابتها بوباء الملاريا الذي فتك بعشرين شخصاً من الفوج المهاجر.