بقلم : أ.د. عمر بن قينه (كاتب جزائري) ..
وقتنا هو حياتنا، استثماره بحكمة عائد في دنيانا والآخرة!، فلنصنه من التلف، هدره في الفراغ إثم!، الفراغ آفة اجتماعية فتّاكة، تنجم منه مختلف الأوبئة، يعظم أمر هذه إذا اقترن فيها (الفراغ) بالصحة من دون صرفهما في النفع الفردي والعام الشرعي، وهو ما نبّه إليه الحديث النبوي الشريف: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» فإذا صادفا حيوية الشباب غير المحصّن كانا بوابة الانحراف:

إن الشباب والفراغ والجِدَه
مفسدة للمرْ أيّ مفسده

كلمات بسيطة مُباشرة لكنها تعبير حي عن سوء مآل، لنتائج صحة وفراغ وشباب من دون استغلال في الخير للفرد والجماعةّ!.

استثمار الوقت والصحة والشباب لخير الأمة والوطن: هو خير زاد، وعافية وثواب عند الله، والذكر الحسن بين الناس، هو المضاد الحيوي الفعّال ضد كل الموبقات الناجمة عن آفة البطالة التي هي بوابة الشيطان للقلوب، للوسوسة والإغراء بكل الآثام التي تفرح الشيطان وتغضب الرحمان والإنسان، فتودي بالفرد في مهاوي الهلاك البدني والروحي والضياع الإنساني. فلنصن أوقاتنا من الضياع! من التلف، ليكبر شبابنا فيما يرضي الله والمجتمع، فينعم بحياة مادية وروحية رضيّة هانئة.

نقول هذا لبعض من شباب الأمة بأسلوب ودّي: فننجح في مواقف ونفشل في أخرى، تبعاً للظرف والمناسبة، فكيف لا أثمّن خطوة شاب متخرّج من الجامعة، كادت تطحنه البطالة حتّى فرّمنها للعمل في شاحنات حمل القمامة المنزلية من الشوارع، فهذا العمل أنبل وأشرف وأطهر من الاستسلام لغول البطالة، وسطوة الشيطان المتربّص على الأرصفة وفي الأزقّة، وفي (مقاهي الإنترنت)!.

باتت (البطالة) غولاً في معظم مجتمعاتنا العربية، تشحن النفوس بالضيق حتّى الأحقاد والكراهية، خصوصاً (لأشباه الرجال) في الحكم المنعّمين بالمال الفائض، فيكبر حقد البطّال وتشتدّ كراهيته خصوصاً حين يرى أرقام رواتب (الوزراء) و(البرلمانيّين) العرب بمن فيهم الجزائريين المتعلمين والأمييّن؛ فيتصدّع عقله ويتمزّق وجدانه، فبينما حلمه - حتّى الجامعي نفسه - لا يتجاوز الظفر بأجر(20 ألف دينار) مجرّد أمل في منصب للعمل المنتج: يقرأ في الصحف أن البرلماني الأميّ والوزير الذي لم يدخل جامعة، بل لم تعرفه الثانوية، يتقاضى الأول منهما ما يفوق (300 مئة ألف دينار) والثاني ما يزيد على (500 مئة ألف دينار) للشهر هو راتب أستاذ (بروفيسور) في الجامعة (ستة شهور كاملة) مع امتيازات مختلفة لهما، لا يحلم بطيفها لا الأستاذ الجامعي ولا المثقف عموماً!، ألسنا في (مقبرة العلماء)؟ ، فكيف لا يصاب البطّال المتعلّم بالجنون من صواعق هذه الفوارق الجهنمية الظالمة؟.

ينعم أميّ كسول بالمال العام للسوء الإداري بينما تطحن البطالة الشباب؛ فتغريه بالانحراف، خيرهم من كان عقله قائداً وضميره حارساً دون مهالك، فيتوق إلى الهجرة التي غدت هاجس شباب أفقدته السياسات الظالمة الأمل ووطّنت في نفسه الألم، فبات ذلك واقعه، فلا يتردّد بعض في المجازفة حتّى بالهجرة غير الشرعية، في قوارب موت أخذت عندنا في (الجزائر)، مصطلح (الحرْقة) والمجازفون (حرّاقة) حرق ضوابط خروج من الوطن و دخول أوطان، لا تأشيرات ولا تذاكر سفر، فهي المغامرة في (قوارب) غير شرعية لهرب البشر وتهريبهم، من أجل دخول أوطان أوروبية خلسة أملاً في عمل، مهما قلّت قيمته، حتى قال أحد الشباب الجامعيّين (المتحفّز للحرقة) لقناة تلفازية خاصة ما خلاصته: الموت غرقاً في البحر دون أوروبا أفضل من الموت يأساً من دون عمل في الوطن!.

داء البطالة ينجم من سياسات ظالمة عشوائية رعناء، وغياب دور المجتمع الذي يفتقر إلى المبادرات الخاصة الجماعية والفردية في خلق فرص النشاط الإيجابي، وأشكال التكافل، فضلاً عن غياب دور الأسرة في رعاية الأبناء وتوجيههم ومعاضدتهم، في مواجهة ضغوط البطالة ونتائجها السلبية الوخيمة على الفرد والمجتمع.

من أشكال المُعاضدة: الدعم المادي والمعنوي بحثاً في إمكانات وعن وسائل، مهما كانت بسيطة، لكنها شريفة، خير من بطالة تقتل الروح وتورث الكسل فالمرض، وتغري نفوساً غير محصّنة، بمنكرات أخلاقية، مما حذّرتنا منه الكتب السماوية، وعلى رأسها القرآن الكريم، فأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما ارتبط ذكر العمل بالدنيا بالعمل للآخرة، فالخير كله أن يكون الأول في خدمة الثاني: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (التوبة:105).. اللهمّ ارزق شباب أمتنا الإسلامية الهداية والتوفيق!.
  
E-Mail: beng.33@hotmail.com