بقلم - يرالله خيرالله:

من الواضح أن اليمن يبدو مقبلاً على تطورات مهمّة في ظل انسداد للحل السياسي وذلك منذ استيلاء الحوثيين (أنصار الله) على صنعاء وإصرارهم على تحويل المدينة عاصمة للإمارة التي أعلنوها مبشرين بعودة عصر الإمامة.

كان الانسداد، الذي ترافق مع ظهور عجز لدى ما يسمى «الشرعية» في استيعاب معنى وصول الحوثيين إلى صنعاء، مؤشراً إلى بداية مرحلة جديدة استطاعت بعدها إيران الإعلان عن أنها باتت تسيطر على أربع عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت.. وصنعاء.

لم يكن مهماً ما قاله المسؤولون الإيرانيون عن انضواء اليمن تحت المظلة الإيرانية بمقدار ما أنّ المهمّ كان ممارسات معيّنة من بينها ذهاب وفد حوثي إلى طهران في مرحلة ما بعد سقوط صنعاء قبل ثلاث سنوات. وقّع الوفد الحوثي في العاصمة الإيرانية، باسم اليمن، اتفاقاً في شأن رحلات بين صنعاء وطهران بمعدل يزيد على عشر رحلات في الأسبوع لكل شركة من شركتي الطيران في البلدين. هل صار اليمن وجهة سياحية للإيرانيين أو إيران وجهة سياحية لليمنيين؟

تكمن خطورة الحوثيين في قدرتهم على التكيف والاستفادة من أي ثغرات تحصل. كانت الثغرة الأولى، التي عرفوا من خلالها تحقيق اختراق سياسي وعسكري، الرهان على العداء الذي كان يكنه الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي لعلي عبدالله صالح.

ليس سراً استفادة الحوثيين من الحساسية الزائدة للرئيس الانتقالي تجاه الرئيس السابق الذي كان يعرف ما الذي سيترتب على الانتهاء من زعماء حاشد (آل الأحمر) في محافظة عمران ثم اللواء 310 الذي كان على رأسه العميد حميد القشيبي والذي كان يحتل مواقع إستراتيجية تؤمن حماية للعاصمة. كان يعرف ذلك على الرغم من أن ولاء اللواء 310 كان لغريمه الفريق علي محسن صالح الذي أصبح نائباً لرئيس الجمهورية.

كذلك، ليس سراً أن الحوثيين عرفوا كيف التعايش مع علي عبدالله صالح لدى دخولهم صنعاء وسيطرتهم عليها يوم الواحد والعشرين من سبتمبر 2014 تحت غطاء تظاهرات لأنصارهم احتجاجاً على إجراءات ذات طابع اقتصادي اتخذتها الحكومة وقتذاك.

 تبدو كل خطوة يقوم بها الحوثيون مدروسة. طمأنوا الرئيس الانتقالي في البداية ووقّعوا معه، بحضور ممثل الأمين العام للأمم المتحدة جمال بنعمر، «اتفاق السلم والشراكة» الذي حظي بإشادة من الأمين العام لـ»حزب الله» السيّد حسن نصرالله الذي يعتبر نفسه، لأسباب إيرانية طبعاً، معنياً بشكل مباشر بالملف اليمني.

شيئاً فشيئاً تخلّصوا من الرئيس الانتقالي ووضعوه في الإقامة الجبرية. قدّم عبد ربه استقالته من الرئاسة، لكن الحوثيين منعوا مجلس النواب من الاجتماع كي لا يُصبح رئيس المجلس يحيى الراعي، بموجب الدستور، رئيساً مؤقتاً للبلاد. والراعي يتمتع بدعم قبلي إضافة إلى أنه من حزب «المؤتمر الشعبي العام» الذي يتزعمه علي عبدالله صالح.

استطاع عبد ربه منصور في الواحد والعشرين من فبراير من العام 2015 الفرار من صنعاء إلى عدن في ظروف غامضة وعاد عن استقالته، فيما بدأ الحوثيون يتراجعون عسكرياً في المناطق الجنوبية.

 ليس لدى الحوثيين، مع انكفائهم على صنعاء، أي مشروع سياسي أو حضاري أو اقتصادي. ليس لديهم ما يفاوضون في شأنه، على الرغم من الكلام الذي يؤكده غير سياسي يمني عن توصّلهم في موازاة المفاوضات اليمنية - اليمنية في الكويت قبل ما يزيد على سنة إلى اتفاق يتضمّن بنوداً عدة مع المملكة العربية السعودية.

ماذا يبقى أمام الحوثيين عمله بعد تقلّص المساحة التي يسيطرون عليها عسكرياً وبعد إصرارهم على أن يكونوا القوّة المهيمنة في صنعاء؟

هناك مثل وحيد يستطيعون الاقتداء به هو تجربة سيطرة «حماس» على غزّة في منتصف العام 2007 وإخراج «فتح» منها بقوّة الإرهاب والترهيب وسلاح الاغتيالات. هل في استطاعة علي عبدالله صالح القبول بهذا الوضع، خصوصاً بعدما تبيّن أن لديه دعماً شعبياً كبيراً عبّر عنه مئات آلاف اليمنيين الذين تدفّقوا على صنعاء للمشاركة في تظاهرة يوم الرابع والعشرين من أغسطس الماضي في ذكرى تأسيس «المؤتمر الشعبي».

الأكيد أن اليوم الذي سيتعرّضون فيه لعلي عبدالله صالح ليس بعيداً. إلا أن ذلك لا يمنع طرح سؤال في غاية البساطة. هل تدعهم القبائل المقيمة في محيط صنعاء القيام بما قامت به «حماس» في غزّة؟

كاتب لبناني