بقلم - د.علي محمد فخرو:

ها أن ما كنا نخشى حدوثه، بسبب الخلافات والمشاحنات الخليجية عبر الشهرين الماضيين، قد حدث في ساحتين من ساحات عمل مجلس التعاون الخليجي. دعنا نكون صادقين مع النفس ومع إملاءات الالتزامات القوميّة، من خلال مقارنة موضوعيّة بين ما حدث وما كان يجب أن يحدث، لنرى ما تقود إليه بعض الممارسات السياسيّة التي تؤدي إلى أن تصبح الأهداف الوطنية والقومية التحررية العليا ضحية لتغليب الأهداف الطارئة المؤقتة.

الحدث الأول تمثل في إقحام الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وهي الدولة التي لها مطامع وأجندات وحسابات انتهازية نفعيّة، في الشأن الخلافي الخليجي، وتنصيب وزير الخارجية الأمريكية نفسه كحكم وكمقيم في شأن خليجي بحت. وبالطبع فإن الحكم النهائي، مع هذه الجهة أو ضد تلك الجهة، مع تصويب هذه الدولة أو تخطئة تلك الدولة، سيعود في النهاية للرئيس الأمريكي. وهنا مربط الفرس.

إذ هل حقاً أن شخصية هذا الرئيس يمكن الوثوق بقدرتها على التصرّف بحنكة وموضوعية وتجرد في الشأن الخلافي الخليجي؟

دعنا نشير إلى شهادة شاهد من أهلها، كمثال واحد من ألوف الشهادات التي كتبت وقيلت عن شخصية الرئيس، لنرى إن كان يجوز الاستعانة بالوساطة الأمريكية، وبالتالي بوساطة الرئيس.

لقد صدر مؤخراً كتاب بعنوان "قضية دونالد ترمب الخطرة" بأقلام سبعة وعشرين إخصائياً نفسياً أمريكياً. وأشرف على تأليف وإصدار الكتاب الأستاذ الدكتور براندي لي، أستاذ القانون وعلم النفس في جامعة ييل الأمريكية الشهيرة.

لقد أظهر الكتاب، فصلاً بعد فصل، وجود نواقص بالغة الخطورة في تركيبة الرئيس النفسية والذهنية والاجتماعية. فهو، باختصار، شديد النرجسية، الأمر الذي يجعله يعتقد بأنه أفضل من الآخرين، وأن لديه قدرات خارقة تجعله ناجحاً في كل أمر يحمل مسؤوليته، وأن ينظر إلى الآخرين بازدراء وبالتالي لا يأخذ بعين الاعتبار مشاعرهم وحاجاتهم، بل ينتظر منهم قبول أفكاره ومقترحاته دون أية مناقشة، وأن لديه قابلية انتهازية لاستغلال الآخرين وخداعهم وبالتالي لا يمكن الوثوق في علاقاته مع الآخرين، وبالرغم من كل ذلك فإنه داخلياً لديه مشاعر ضعف وخوف من الفشل، ما يجعله قابلاً للدخول في مغامرات عبثية لإثبات أنه قوي ولتكذيب مشاعر الضعف في داخله.

لا يقف الأمر بالنسبة للرئيس الأمريكي عند حدود النرجسية، إذ أن مؤلفي الكتاب يشخصون شخصية الرئيس بأنها الشخصية "الهدونستية" التي تعيش الحاضر فقط، وبالتالي لا تحسب حساباً للمستقبل. إنها الشخصية التي تعكف على الملذات والسعادة المؤقتة. ولأنها معنيّة فقط بالحاضر فإنها لا تحسب حساباً للنتائج المستقبلية التي تتولد عن أقوال أو أخطاء وخطايا الحاضر. ولذلك فإنها لا تتورّع عن التلفظ بأشنع وأقذع الأقوال بحق الآخرين، وذلك من أجل تحقيق انتصارات شخصية في الحاضر.

ما كنا لنهتم بصفات شخصية الرئيس الأمريكي لولا أنها قد تصبح في أية لحظة مصدر قرارات خاطئة تتخذ بشأن أوضاعنا العربية والخليجية.

في مقابل ما حدث، من استعانة بمصدر لا يوثق فيه للمساعدة على حل الخلافات الخليجية، تراجع إلى حدود العدم ما كان يجب أن يحدث، وهو الاستمرار في المسعى الكويتي لرأب التصدع في بنية مجلس التعاون. كان ضرورياً الاستمرار في المسعى الكويتي، وتطويره، والإصرار على إنجاحه، لإثبات قدرات مجلس التعاون الذاتية في حل مشاكله، بل ومشاكل الأمة العربية. بهذا ضاعت فرصة تاريخية لإثبات أن العرب قادرون على حل مشاكلهم بأنفسهم ودون وصاية من الخارج، وعلى الأخص الخارج الاستعماري الذي تقوده شخصية غير متوازنة.

الحدث الثاني هو التصريح الرسمي الكويتي بأنها تفضل تأجيل اجتماع القمة الخليجي لمدة ستة شهور، إلى أن تتحسن الظروف المأزومة وتهدأ المشاعر الهائجة.

ويسأل الإنسان نفسه: ما فائدة وجود مؤسسة القمة الخليجية، وهي أعلى سلطة في مجلس التعاون الخليجي، إذا كانت لا تواجه العواصف السياسية ونيران الخلافات الخطرة حال هبوبها واشتعالها؟ فالمؤسسات الإقليمية والقومية خلقت في الأصل لمواجهة القضايا الكبيرة وليس للتسلي بالأمور الصغيرة.

أكثر من ذلك. تأجيل اجتماع دوري لأعلى سلطة سيعني تأجيل كل الاجتماعات الأخرى وتجميد أنشطة المجلس وانتظار الفرج من خارج المجلس. هذه كارثة في العمل السياسي الإقليمي العربي ستكون لها انعكاساتها السلبية على العمل المشترك في المستقبل.

وفي هذه الحالة ألسنا نتعامل بخفة وقلة مسؤولية مع موضوع بالغ الأهمية بالنسبة لكل مواطني دول مجلس التعاون؟ ألا يمثل هذا المجلس أحلاماً كبرى وتطلعات عروبية وحدوية لشعوب هذا الجزء من الوطن العربي؟ وبالتالي، أليس هذا المجلس هو أيضاً ملكاً للشعوب مثلما هو ملك لسلطات الدول؟

لقد كنا نأمل أن تؤدّي الخلافات فيما بين دول المجلس الحالية إلى مراجعة عميقة لمرئيات المجلس وسياساته، وذلك لتجنب الأخطاء التي حدثت في الماضي ولجعل المجلس مصدر عون ودعم لمحاولات العرب الخروج من الجحيم الذي يعيشونه حالياً. فالوقت قد حان للقيام بتلك المراجعة الصادقة.

عند ذاك سنشعر شعوبنا، في الخليج وعبر الوطن العربي كله، بأن أحلامها القومية الكبرى، في وحدة أمتها وتحرّرها ونهضتها، ستعامل بحكمة وجديّة ومواجهة شجاعة للأعاصير.

 

كاتب ومفكر بحريني