بقلم : طـــه خـلـيفـة (كاتب وصحفي مصري) ..
المنطقةُ لا تتحمّلُ صِراعاً عَسكريّاً جَديداً سيكونُ مُدمّراً لهَا وللشّرقِ الأوسط ِلأقصى درجةٍ، بل ربُّما تكونُ هِيَ الحربَ العالميةَ الثالثةَ دونَ مُبالغةٍ، أمريكا القوّةُ العُظمى الهائلةُ عَسكريّاً، ومِن خلفِها في المنطقةِ إسرائيلُ القوّةُ العُظمى إقليميّاً، ومعَهُما عددٌ من الأتباعِ العربِ، وإيرانُ قوّة عُظمى إقليميّاً أيضاً، ولدَيهَا ترسانةٌ عسكريّةٌ تقليديّةٌ مُتقدّمةٌ وخطيرةٌ تَطالُ الصواريخُ البالستيةُ فيها مشارفَ أوروبّا ورُبّما أبعدَ، وإيرانُ ليستْ وحدَها، فمَعَها وفي كَتفِها جماعاتٌ وأحزابٌ وتنظيماتٌ سياسيّةٌ وعسكريّةٌ مُسلّحةٌ ومُدرَّبةٌ جيّداً مُنتشرةٌ في عددٍ من البلدانِ العربيةِ ستكونُ أذْرُعاً مُؤثّرةً في أيِّ مُغامرةٍ عسكريّةٍ قد تقعُ فيها واشنطن، أو تدفعُ إليها تل أبيب التي تريدُ مُواصلةَ إشعالِ الحرائقِ في كلِّ شبرٍ من المنطقةِ بلا انطفاءٍ، ففي ذلكَ مصلحةٌ كُبرى لها، حيثُ يضعفُ الجميعُ ويفتكُ بهم الدّمارُ، بينما تظلُّ هي في حُصونِها، لكنْ لو جرى استفزازُ إيرانَ عسكريّاً ستسقطُ هذه الحصونُ، وستطالُها النيرانُ أكثرَ من ذي قبلُ.

مطلوبٌ التأنّي في اتّخاذِ المواقفِ والقراراتِ ليس من أمريكا وحليفِها الصهيونيِّ الخبيثِ فقطْ، إنّما من عواصمَ عربيةٍ تدخلُ في خصوماتٍ وعدائياتٍ مع إيرانَ، فالكلُّ سيكونُ خاسراً وبشدّةٍ إذا اختلطتْ الأوراقُ ودخلتْ الأزمةُ في عواصفِ المجهولِ، وجرى اللجوءُ لخياراتِ القوّةِ، لن يسلمَ أحدٌ، لا المصالحُ الأمريكيةُ في المنطقةِ، وهِيَ كثيرةٌ ومُتنوّعةٌ، ولا دولةُ الاحتلالِ، ولا العربُ الذين ينفخُون في نارِ التّصعيدِ ظنّاً منْهم أنّ ذلكَ سيكسرُ النظامَ الإيرانيَّ أو يُسقطُهُ، وقبلَ أيامٍ قال مسؤولٌ إيرانيٌّ إنّ أمريكا قادرةٌ على البدءِ بالحربِ، لكنّها لنْ تستطيعَ أنْ تُنهيَهَا، والمعنى واضحٌ، إيرانُ لن تكونَ بادئةً بحربٍ، وإذا فعلتْها واشنطن فلنْ تكونَ النهاياتُ كما تريدُها، وهذا كلامٌ يستندُ لخبراتِ حروبٍ فجّرتْها أمريكا ولم تستطعْ إنهاءَها كما خطّطتْ، في فيتنامَ، ثُمّ أفغانستانَ والعراقِ مثلاً، وهذه دولٌ تفوقُها إيرانُ عُدّةً وعتاداً.

لستُ مُدافعاً عن إيرانَ ولا عدائيّاً ضدَّ أمريكا، إنّما باحثٌ عن العقلِ في منطقةٍ تفتقدُ للعقلِ والحكمةِ والرّشدِ في إدارةِ شؤونِها وملفّاتِها وقضاياها وأزماتِها وصراعاتِها، وبالتّالي تكونُ النتيجةُ أنّ العراقَ في حالةِ عدمِ استقرارِ منذُ 15 عاماً ولا أملَ في خُروجِه من أمراضِ الطّائفيّةِ والعنفِ والإرهابِ والانقساماتِ قريباً، وسوريا دمّرتْها حربٌ أهليّةٌ إقليميّةٌ دوليّةٌ، والضحيةُ هو الشّعبُ وجوهرُ شعاراتِ ثورتِها في الحُريّة والكرامةِ ورفضِ الطّغيانِ، واليمنُ خارجَ التّاريخِ بسببِ صراعاتِ سلطةٍ مُهلكةٍ وحربٍ عبثيّةٍ تفتكُ بشعبِه كما يفتكُ به الجوعُ والمرضُ والتّشرّدُ وقصفُ طائراتِ التحالفِ، وقمعُ الحوثي في مناطقِ سيطرتِه، والتدخّلُ الخارجيُّ وراءَ مأساتِه ممن لم يُريدوا لثورتِه أنْ تكملَ طريقَها نحوَ التّعدديةِ الديمقراطيةِ، وليبيا في كارثةِ الانقسامِ إلى شرقٍ وغربٍ، وفي داخلِ كلِّ قسمٍ تنشطُ القبليّةُ والجهويةُ والصراعُ على السّلطةِ في قلبِ الأزمةِ، والشّعبُ هُوَ الضحيةُ مثلَ كلِّ شعوبِ الربيعِ العربيِّ الّذي حوّلَه الكارهونَ للتّغييرِ والمُعادونَ لاستعادةِ الشّعوبِ حقوقَها وإراداتِها إلى خريفٍ قاتمٍ، فماذا حصدَ تيارُ مناهضةِ الديمقراطيةِ والحرياتِ غيرَ أنّه ساهمَ بقدرٍ كبيرٍ في تدميرِ كياناتِ الدّولِ، وبذْرِ بذورِ الفرقةِ بينَ أبناءِ الشّعبِ الواحدِ، وتمزيقِ المُجتمعاتِ، ونشرِ الكراهيةِ وجعلِ التحريضِ الممجوجِ سلوكاً عامّاً طبيعيّاً، وصنّاعُ الثّوراتِ لم يكونوا مِن الحكمةِ والمسؤوليّةِ والذّكاءِ لتفويتِ الفُرصِ على مَن يُخطّطون للغدرِ بهم، وضربِ نبلِ الأفكارِ الّتي خرجوا من أجلِها.

هذه نماذجُ صارخةٌ لأربعِ دولٍ نقلتْها الحروبُ الوحشيّةُ إلى حالةٍ أسوأَ عشراتِ المراتِ ممّا كانتْ عليه قبلَ إسقاطِ نُظمِها الاستبداديّةِ، ولا يعني ذلك أنّ بقيةَ البلدانِ العربيةِ في حالةٍ أفضلَ، فكلُّها تعتصرُها الأزماتُ، وتسيلُ فيها الدماءُ، وتعجُّ السجونُ بالمُعتقلين، وتُكممُ الأفْواه، وتنشأُ المحاورُ، هي مرحلةٌ جديدةٌ من الاستبدادِ الشّرسِ الّذي يعتمدُ على العنفِ السّياسيِّ والماديِّ وغيابِ التّسامحِ وتآكلِ دولةِ القانونِ الهشّةِ من الأصلِ.

في ظلِ حالةٍ عربيةٍ مُزريةٍ كهذه، وفي ظلِ حالةٍ إيرانيّةٍ لا تقلُّ سوءًا، فهذا البلدُ تغوصُ أقدامُه في أكثرَ من بلدٍ عربيٍّ تحتَ حُلمِ الهيمنةِ واستعادةِ ماضٍ قديمٍ، ووضعُه الدّاخليُّ في حالةِ غليانٍ حقيقيٍّ من وطأةِ تردّي الأحوالِ المعيشيةِ والاقتصاديةِ وتأثير العقوباتِ الأمريكيةِ القاسيةِ بشهادةِ مسؤولينَ فيه، فإنّ من الحتميّ على مُختلفِ الأطرافِ مُراجعةَ أنفسِهم واللجوءَ للحوارِ كحلٍّ وحيدٍ لإنهاءِ الحروبِ ونزعِ فتيلِ الأزماتِ وتهدئةِ الصراعاتِ، فلا أمريكا ستنتصرُ في أيِّ حربٍ، ولا قدراتِ إيرانَ ستساعدُها في تنفيذِ أحلامِها القوميّةِ الإمبراطوريّةِ، ولا العربُ سيربحُون كلَّ ما يُريدونه بالانحيازِ لأمريكا والعداءِ مع إيرانَ، إنّما العلاقاتُ المتوازنةُ، والبحثُ عن المصالحِ، وحسنُ الجوارِ سيحوّلُ الجميعَ إلى قوّةِ بناءٍ وخيرٍ وسلامٍ لصالحِ شعوبِ المنطقةِ.

من هنا رُبّما تكونُ دعوةُ ترامب لقادةِ إيرانَ للقاءِ مدخلاً للتوصُّلِ إلى حلولٍ حاسمةٍ في ملفّاتِ معقّدةٍ مُزمنةٍ بشرطِ أنْ يكونَ العربُ طرفاً فيه حتّى ولو لم يجلسُوا على الطاولةِ، بأنْ يكونَ حضورُهم في إطارِ أنْ يؤسسَ مثلُ هذا الاجتماعِ - لو تمّ - لحلولٍ شاملةٍ في المنطقةِ، وليسَ لمجرّدِ تعديلِ اتفاقٍ نوويٍّ يُرضي أمريكا وإسرائيلَ، ليجدَ العربُ أنفسَهم خارجَ اللعبةِ مرةً أُخرى بلا فائدةٍ واحدةٍ، رُغم ابتزازِهم ماليّاً وسياسيّاً بأوراقٍ عديدةٍ، منها الورقةُ الإيرانيّةُ.
  
tmyal66@hotmail.com