بقلم - عبد الله فريتح:

تهتز الصورة الداخلية للفرد والمجموعة على حد سواء، كلما كانت الهوة بين حقيقة الواقع وخيال الأحلام عميقة غائرة، وتتشكل صراعات نفسية تدفع نحو المزيد من الاستعلاء الكاذب على كل القيم الجميلة التي يقبلها الناس ويحبونها، بل تتأزم الحالة حتى تصل إلى استغلال تلك القيم المحمودة فيما يخالفها شكلا ومعنى.

عند هذه النقطة تنهدم الفواصل التي تميز بين المرغوب والمفروض، وينحل عقد العلاقات الإنسانية في عقل وقلب من أصيب بهذا الداء، فتصبح المصلحة العنصرية ولذة الانتقام مقدمة على كل قانون وعرف، وتتقطع الروابط الدبلوماسية وحتى الأسرية كأن لم تكن يوما، فلا محرك إلا شهوة التسلط وغطرسة الكبرياء.

لا يقبل من أصيب بهذا المرض تغيير الخطأ أو الاعتراف به على الأقل، بل تبرر له نفسه السوء وتزينه، ويستعين على تقبل حاله بشبه الانتصار الواهي الذي يلوح له، ويُستدرج لأبشع مما اقترف بوسوسة من لا يريدون له ولمن حوله نفعًا ولاخيرًا، ومهما تكبد من خسائر ومُني بهزائم إلا أنها لا تردعه عن غيه ولا تزجره عن ظلمه، فنفسه طُعّمت ضد ما يفيدها وأغرقت في بحر الهوى والوهن كأنه اتخذ الشيطان قدوة وأسوة، يفرق بين الأخ وأخيه والأب وبنيه، يدس الشائعات بين الأمة ويوقعهم في الشحناء، يناصر الأعداء الأشرار ويخاصم الطيب والأبرار، يبخل عن أهله باللقمة ويغدق على قطّاع الطرق بلا حساب، لا انتماء له إلا للفساد في البر والبحر.

فما أخزى من آخى الشياطين، ويا حسرته وويله، فرحته نكد وسعادته دامية، همه لا ينقطع وغمه يتسع، نفسه خبيثة ولسانه أخبث، لا يفتر قلبُه يتمزَّق خوفا من المستقبل والماضي معًا، تبت يداه وما كسب.

قلما عوفي من ابتلي بمثل ما أسلفنا ذكره، لأن كثرة التعرض لمسببات المرض والمداومة على الاستخفاف بضرره، وعدم البحث عن علاج له ورفض الحلول المقدمة من الأصدقاء والأحبة، تعمل مجتمعة على طمس آمال الشفاء وإعدام روح الحياة فيه.

لكن لانملك مع مثل هؤلاء إلا الدعاء لهم بالعودة لبيتنا الواحد، وأن ندعم كل ما من شأنه زعزعتهم عن غفلتهم، وأن لا نكون معينًا لهم على أنفسهم، فنصرنا للظالمين بصدهم عن ظلمهم بالعفو والنصح والحوار، فلن نخسر أكثر مما خسروا، وإن كنا جميعا خسرنا بخسارتهم!.