بقلم : السنوسي بسيكري (كاتب ليبي) ..
تقرأ للجميع، تدور على كافة المواقع شرقاً وغرباً، ليس فقط جغرافياً، بل سياسياً أيضاً، فلا تكاد تجد للبرلمان مؤيداً أو مبرّراً للفوضى التي يعيشها ودفع الليبيين إلى كمّاشتها، ويحضرني تصريح لأحد أعضائه يصف البرلمان الحالي بأنه أسوأ البرلمانات في تاريخ البشرية.

المجلس الأعلى للدولة على هامش التأثير، والمجلس الرئاسي مُنقسم ومُرتبك فيما يتعلق بكيفية التعاطي مع المأزق السياسي الراهن، وينوء تحت وطأة الأزمة المالية وأزمة الخدمات الأساسية والتي لم يفلح حتى في التخفيف من آثارها، ويكفي للتدليل على ذلك أن تراقب التخبط بشأن توريد أضاحي العيد.
اقترنت أزمة البلاد ما بعد انتخاب المجلس التشريعي الثاني واندلاع الصراع في يوليو 2014م بمواقف وأداء البرلمان، فقد رفض تعديل الإعلان الدستوري وإدراج الاتفاق السياسي ضمنه، ورفض التصديق على الحكومة المقترحة من قبل المجلس الرئاسي ويصر على إعطاء الشرعية للحكومة المؤقتة المتحفظ عليها دولياً.

وثالثة الأثافي هي المماطلة في إقرار قانون الاستفتاء بعد مرور قرابة العام على اعتماده من قبل الهيئة التأسيسية لوضع الدستور.

البرلمان الذي لم ينعقد بنصاب منذ سنتين ويزيد، إلا في حالة استثنائية، يُصر على ممارسة كافة صلاحيات المجالس التشريعية حتى بعد انقضاء مدته القانونية دستورياً وانتهاء التمديد الذي أقرّه لنفسه، بل وتورّط في مناسبات عدة في إصدار قرارات حيوية في جلسات لا يتعدى عدد الحاضرين فيها نصف النصاب المطلوب.

الأكثر من ذلك أن لا ضوابط حاكمة واجبة الاتباع يتم الالتزام بها في إدارة الجلسات أو تسيير البرلمان وفق الاختصاصات وبناء على اللائحة الداخلية، ويمكن أن نسوق للتدليل على ذلك كثيراً من الأمثلة التي تضيق هذه السانحة عن استيعابها.

لقد كان من بين أسباب إخفاق الأعضاء الذين لم يبلغوا النصاب في تمرير قانون الاستفتاء، تحفّظ العديد منهم على إجراء قام به رئيس البرلمان، والقاضي بتشكيل لجنة للبحث في الخلاف حول بعض المقترحات المتعلقة بالاستفتاء حول الدستور.

فمعظم أهل الاختصاص من داخل البرلمان وخارجه يرون أنه إجراء باطل قانوناً، وأقدم الرئيس على هذه الخطوة في تناقض صريح مع اللائحة لتحفظه على اللجنة المعنية بهكذا اختصاصات داخل البرلمان.

آخر المعلوم عن موقف البرلمان من قانون الاستفتاء هو الإعلان رسمياً أنه قد تم التوافق على مشروع القانون بشرط تحصين المادة السادسة، أي إجراء تعديل في الإعلان الدستوري فيما يتعلق بنصاب إقرار الدستور في الاستفتاء العام.

المادة السادسة بالقانون تقضي بأن يُقر الاستفتاء في حال التصويت عليه بنعم من قبل ثلثي الشعب بالإضافة إلى 51% من المسجّلين في مفوضية الانتخابات في كل دائرة من الدوائر الثلاثة (الأقاليم التاريخية الثلاثة برقة وطرابلس وفزان).

هذا الشرط كاف مسبقاً لإسقاط مسودة الدستور شعبياً، كما أنه يشكّل عائقاً أمام تمريره للاستفتاء لصعوبة أن يتحقق النصاب، إذ أن مجموع من حضروا جلسات قانون الاستفتاء على أهميته لم يتعد 90 عضواً، والمطلوب لإجراء تعديل في الإعلان الدستوري موافقة 121 عضواً.

المقلق أن نواجه مزيداً من تكريس الفوضى في العملية الديمقراطية بتجاوز أسسها الصحيحة، وربطاً للاحق كلامي بسابقه أقول إنه تمّت الموافقة على القانون دون النصاب القانوني، ونحن أمام أن يقع التعديل على الوثيقة الدستورية النافذة دون النصاب المطلوب، أو الإعلان رسمياً عن فشل تمرير المسودة، أو أن تقع مُعجزة ويتحقق النصاب وهو السيناريو المرجّح.

وفي كلا السيناريوهين الراجحين نواجه أزمة حادة ومنزلقاً خطيراً، ففي إقرار القانون وتعديل الإعلان الدستوري بدون نصاب خرق كبير سيكون دائماً حاضراً للطعن في العملية الدستورية برمّتها، وإذا كانت الثانية فإننا نعود إلى حالة الدوران المستمر في فراغ في ظل ظروف مأساوية يعيشها المواطن تنذر بوقوع ما لا يُحمد عقباه.

نقلاً عن موقع «عربي21»