دفع الرئيس الأمريكي جونسون للمبادرة بسن تشريع يمنع التمييز العنصري

تحمـــل سنـــــوات من العذاب والعنـــف لتصديه للظلم العنصري

ترجمة وإعداد - كريم المالكي:

أنهت رصاصة قاتل حياة مارتن لوثر كينج في شرفة «موتيل لورين» في ممفيس، تينيسي، قبل 50 عامًا من هذه الأيام، لكنها لم تستطع قتل حلمه أبداً. وما زال الزعيم البالغ من العمر 39 عاماً، الذي أدت احتجاجاته غير العنيفة إلى تنشيط حركة الحقوق المدنية الأمريكية لمدة عقد من الزمن، يلهم الأمة لحمل رسالته الإنسانية بشكل دائم.

كان الزعيم الأمريكي من أصول إفريقية من المطالبين بإنهاء التمييز العنصري ضد أبناء جلدته، وقد صرّح في عام 1963 في خطابه «لدي حلم» قائلاً: لدي حلم بأن يوماً من الأيام سيعيش أطفالي الأربعة في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم. وسعياً لتحقيق هذا الهدف، قاد كينج حملة مقاطعة شركة الحافلات احتجاجاً على الفصل العنصري في مسقط رأسه في مونتغمري، بولاية ألاباما.

كان المتحدّث الرئيسي في «مسيرة واشنطن» التي شهدت نزول مئات الآلاف إلى العاصمة الأمريكية للمطالبة بإنهاء الظلم العنصريّ.

أصغر فائز بنوبل

ساعدت جهوده في تمرير قانون الحقوق المدنية في عام 1964، وأصبح أصغر حائز على جائزة نوبل للسلام لنجاحه في تغيير القلوب والعقول بالكلمات وليس بالرصاص. ومع ذلك فقد تحمل كينج سنوات من العذاب والعنف من قبل معارضيه الذين كانوا يخشونه لأنه كان يهدد أسلوب حياتهم.

وتعرض منزل عائلته للحرق عام 1956 عندما كان راعيًا للكنيسة وهو في سن السادسة والعشرين، حيث قاد حملة مقاطعة شركة الحافلات بسبب رفض الناشطة المحلية روزا باركس التخلي عن مقعدها لراكب أبيض.

هدف للانتقام والغدر رغم سلميته

في تلك الليلة وقف وسط حطام منزله وتوجه إلى حشد غاضب من السود مسلح بالبنادق والسكاكين حتى لا يستجيب بالعنف. وقال لحشد من أنصاره: يجب أن نقابل الكراهية بالحب. وبعد أيام، عُثر على 12 قطعة من الديناميت على شرفة منزل كينج، وفي ديسمبر، أُطلقت النيران على منزله.

وبعد سنتين تقريبًا كان على وشك الموت حينما طعن كينج بصدره، خلال حفل توقيع نسخ من كتابه الأوَّل (خطوة نحو الحرية) في متجر في هارلم، نيويورك، مِن قبل امرأة أمريكية تدعى إيزولا كاري،42 عامًا، حيث قالت له وهي تغرس سكينها بصدره بعمق 7 بوصات: لقد كنت أبحث عنك منذ 5 سنوات. وأنقذت حياته بجراحة سريعة فيما تمّ تشخيص كاري في وقت لاحق بمرض الفصام بجنون العظَمة.

واجه كل أنواع التهديدات

وقد أحرقت جماعة «كو كلوكس كلان» المتطرفة الصلبان في حقله بعد انتقاله إلى أتلانتا في عام 1960، وتعرض إلى تهديدات متكرّرة بالقتل، ورعب القنابل، وتهديد عبر المكالمات الهاتفية في وقت متأخر من الليل. كما تم مطاردة كينج من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، الذي زرع المخبرين وتنصت على مكتبه ومنزله ومكالماته الهاتفية. وقد وصفت مذكرة مكتب التحقيقات الفيدرالي في عام 1963 كينج بأنه «الزعيم الزنجي الأكثر خطورة وفعالية في البلاد».

وسجلت الميكروفونات الخفية شؤونه غير الزوجية، وزعم تقرير صدر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 1968 التالي: طوال السنوات التالية وحتى هذا التاريخ واصل كينج تحمل انحرافاته الجنسية سراً بينما كان يراهن على الرأي العام كزعيم أخلاقي للإدانة الدينية. لكن كينج لم ينصع أبداً للتهديدات.

محطات من حياة مارتن لوثر كينج

ولد كينج في أتلانتا، جورجيا، في 15 يناير 1929، وعيّن بعد والده، القس المعمداني الذي غيّر اسمه واسم ابنه إلى مارتن بعد رحلة إلى ألمانيا. وأدناه أهم المحطات في حياته:

1935 ـ 1944 أكمل الدراسة الابتدائية والثانوية.

1947 التخرج من معهد اللاهوت.

1948 كينج كاهناً مساعداً لوالده.

1953 زواجه من كوريتا سكوت.

1954 الحكم الشهير بأن التمييز العنصري في المدارس غير دستوري.

1955ـ 1956 أزمة الباصات وصدور حكم بالمساواة بين الركاب السود والبيض.

1957 صدور تشريعات عن الكونجرس أدت إلى انشاء مفوضية للحقوق المدنية.

1958 صدور كتاب «خطوات نحو الحرية: قصة مدينة مونتغومري».

1959 الذهاب إلى الهند لدراسة أساليب غاندي في اللاعنف.

1960 العودة إلى أتلانتا.

1963 خطابه «لدي حلم» الذي أثار أمريكا السوداء.

1964 كينج يحصل على جائزة نوبل للسلام.

1965 ـ 1967 فترة الاضطرابات وأعمال الشغب ضد السود، خصوصاً من منظمة «كو كلوكس كلان» المتطرفة ومثيلاتها.

1968 اغتيال كينج في ممفيس في 4 أبريل، فغيبه الموت بعمر 39 عاماً.

خطابه الأخير وتخليده

في خطابه الأخير، الذي ألقاه في الليلة السابقة لوفاته، كان يتأمل موته، حيث قال: «لقد كنت في قمة الجبل.. رأيت الأرض الموعودة، قد لا أذهب إلى هناك معكم. لكنني أريدكم أن تعرفوا هذه الليلة، أننا، كشعب، سنصل إلى أرض الميعاد».

بعد مقتل كينج، اندلعت أعمال الشغب في أمريكا. وفي واشنطن العاصمة، انفجرت في أربعة أيام من أعمال العنف التي خلفت 13 قتيلاً و800 حريق.

قد تكون رصاصة من بندقية أطلقها خاسر عنصري يدعى جيمس إيرل راي قد أنهت حياته، لكن تراثه بقي خالداً. وبادر الرئيس ليندون جونسون إلى سن تشريع يمنع التمييز العنصري، وحصل الأمريكيون الأفارقة على تمثيل سياسي واسع، وبعد 40 سنة من وفاة كينج، تمّ انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة.

وقد تم منح كينج الميدالية الرئاسية للحرية بعد وفاته، وتم تسمية المئات من الشوارع في جميع أنحاء البلاد من بعده وتمت إقامة تمثال يبلغ طوله 30 قدمًا في ناشونال مول في واشنطن العاصمة.

ولكن ربما كان أكبر مقياس لإنجازه هو قرار الرئيس الجمهوري، رونالد ريغان، بإقامة عطلة فيدرالية باسمه، ما جعل كينج الأمريكي الوحيد باستثناء جورج واشنطن يُمنح هذا الشرف.

عن صحيفة الديلي إكسبريس البريطانية

مـــن الــــذي اغتـــــال كينـــــــــج؟

شكل نضال لوثر كينج إزعاجًا بالنسبة للسلطة في الولايات المتحدة، فلم يكن يحمل جون كنيدي مشاعر طيّبة لمن أثار الاحتجاجات ضدّه على أي حال، وربما الكراهية كانت مضاعفة لدى جي إدجر هوفر الرجل الذي أسس جهاز الـ إف بي آي، وتورط في أعمال قذرة في مكافحة أصحاب الأفكار الشيوعية في بلاده، وبنفس المنطق فحتى لحظة موت كينج، ظل مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي إدجار هوفر يلاحقه ويتنصّت على مكالماته الهاتفيّة، ويحاول تجنيد عملاء لاختراق حلقته الداخلية. لقد شكّل الرجل الأمني الصارم وحدة خاصة لمتابعة كينج ورجاله، وتطور الأمر إلى اتهامات وردود متبادلة بين مارتن لوثر كينج وجي إدجر هوفر، وهنا كشفت مكتبة جامعة كولورادو ملامح الكراهية التي حملها رئيس الـ «إف بي آي» لكينج في وقائع مختلفة، كان أبرزها معلومات قام هوفر بتسريبها عن كينج، واصفًا إياه بأنه يمتلك حياة خاصة غير أخلاقية، قاصدًا علاقات خارج إطار الزواج، جمع معلومات عنها عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي وتسجيلات من غرفة كينج الخاصة، لقد سربت تلك المعلومات إلى الصحف قبل تلقي كينج جائزة نوبل.

وفي النهاية كان هناك اجتماع بين الرجلين في الأول من ديسمبر ١٩٦٤. وبخلاف التصوّر إن هذا الاجتماع قد هدّأ التوتّر بين الرجلين، لم تنتهِ عمليات التنصت والمطاردة والتجسس، والمحادثات الخاصة لكينج وأسرته وأصدقائه ظلتّ محل تمحيص من قبل هوفر. وبعد 4 أشهر من اغتياله تم الكشف عن القاتل جيمس راي عند محاولته الحصول على جواز سفر كندي تحت اسم مستعار، وتمكّن الجاني من السفر إلى لندن، ثم إلى لشبونة، ثم عاد إلى إقليم بيافرا في نيجيريا. وأخيرًا اعتقل في مطار هيثرو في لندن.

ورغم اعتراف الجاني بأنه مذنب، لكن أقواله ظلتّ متناقضة وحملت كثيرًا من الغموض، وأقسم على وجود مؤامرة خلف حادثة الاغتيال، ثم عاد يقول إنه وقت الحادثة كان بمدينة أخرى، لقد أثارت تضارب تصريحات الجاني اهتماماً كثيراً من ممارسي الصحافة الاستقصائية والكتّاب الذين تبنوّا فكرة أن تكون هناك مؤامرة.

ما الذى دفع سارقاً إلى القيام بعملية «اغتيال سياسي» ؟ ومن أين أتى بالأموال التي دفعها لتنفيذ العملية؟ سفريات متعدّدة وانتقالات ذات كلفة، وجوازات سفر مزوّرة، وسيارة استخدمها، ومعدّات حازها، من بينها بندقية ذات تلسكوب، لتكون عالية الدقة، وبعد أن نفّذ العملية نجح في الفرار خارج البلاد بشكل مُذهل وعاد ليتنقل من مكان إلى آخر في العالم.