تروي صاحبة هذه القصة معاناتها قائلة:
بكل ألم وحسرة، إن الإنسان لا يشعر بقيمة الشيء الذي بين يديه وأمامه إلا عندما يفقده تماماً، فما بالنا إذا كان هذا الشيء إنساناً عزيزاً على قلوبنا بل ومن أقرب الناس لنا، وهي الأم التي لا تعوّض بكنوز الدنيا، ومهما قلنا فيها فلن نوفيها حقها أبداً.

لقد رحل والدي عن الدنيا وأنا رضيعة، وأمي ما زالت في مقتبل العمر، لكنها عاهدت نفسها أن تكرّس حياتها من أجلي، فرفضت الخُطّاب واحداً تلو الآخر رغم ضغوط جدي وجدتي عليها بالزواج ليكون الرجل الآخر عوناً لها ولي، لم ترضخ لتلك الضغوط حتى تركاها وشأنها حين أدركا إصرارها وتصميمها على عدم الزواج وعقدها العزم على تكريس كل حياتها لي بحيث لم يعد هناك مجال للنقاش في أمر الزواج.

مضت الأيام والسنون، وأصبحت صبية جميلة، مدللة، وأيضاً متمرّدة، أعارض أمي في كل شيء، أفعل ما يحلو لي، وما يتفق مع رغباتي، لم أكن أقدّر تضحيات أمي لي، كنت أفضل صديقاتي عليها، كانت اهتماماتنا مشتركة، الخروج إلى المجمعات، وحضور الحفلات، وارتداء أحدث الصيحات، للأسف أيضاً الحديث مع الشبان، وعندما لاحظت أمي ذلك حاولت منعي، لكنني كنت أصرخ في وجهها، وأهدّدها بالخروج من البيت وعدم العودة إليه مرة أخرى، كانت تبكي بحرقة وألم، ولم أكن أبالي، أراها كباقي الأمهات المتسلطات اللاتي يتحكمن في بناتهن، هكذا كان حكمي عليها وعلى خوفها عليّ، لهذا كنت أخاصمها، ولم أشأ الاقتراب منها حتى لا تتحكم بي بتوجيهات ونصائح وأوامر، كنت خاضعة تماماً تحت تأثير الصديقات.. وأفضلهن عليها.

ذات يوم مرضت أمي مرضاً شديداً نقلت على إثره إلى المستشفى، ومكثت هناك عدّة أيام دون أن يعرفوا ما بها أو علتها بالضبط مع كثرة الفحوصات والتحاليل، كل الذي أخبرونا به أن ضغطها عالٍ جداً، ولم يطل مكوثها هناك فتُوفيت وخرجت روحها إلى بارئها، لم أصدّق أنها توفيت بهذه السرعة، فأيقنت أنني السبب في تعجيل وفاتها، ماتت كمداً وقهراً بسببي، شعرت بالخوف والجزع وعدم الأمان وفقدان الطمأنينة بعد رحيلها، لم أشعر حقاً بقيمتها وقيمة وجودها إلا بعد وفاتها، والأشدّ إيلاماً أنني لم أكن كما تتمنى هي، ولم أكن تلك البنت البارّة بها، فخيبت آمالها، وتوفيت لهذا السبب، سنة مضت على وفاتها وإلى الآن أشعر بغصة وحسرة في قلبي، إنني أفتقدها بشدّة، أريدها معي وبجانبي، هجرت صديقاتي وكل متع الحياة التي كنت أمارسها وأدركت مدى التفاهة في تلك الأمور بعد رحيل والدتي رحمها الله تعالى.

ولا يغريني أي شيء في الدنيا بعد وفاة أغلى إنسانة في الحياة، نعم إنني لم أعرف غلاوتها إلا بعد فقدانها إلى الأبد.