بقلم - محمد التميمي:

(لا أدري كيف أُخبِرك عمَّا حدث!، لكنني أشعر بالحزن والكآبة مما رأيته في الأخبار اليوم..)، قالها صديقي الروسي عندما قابلته بعد فترة ليست بالطويلة، وقد بدت على وجهه ملامح الْحُزْن التي لم أعهدها عليه، فهو عادة ما يكون سعيداً متفاخراً بإنجازات بلاده التي جاء منها، ‎والتي يزعم أنها تقوم بدور كبير في الأمن والسلم العالميين.

‎ سألته: لمَ هذه الكآبة؟، قال لي: ألم تسمع وترى ما الذي حلّ بمقاتلنا الروسي «البطل» (على حد تعبيره)؟!، فقلت بلى فقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن إسقاط طائرة حربية روسية في إدلب من طراز «سو 25» ومقتل الطيار أثناء مواجهة مع الإرهابيين، ‎قال: إذن فأنت تعرف أن بطلنا لم يستسلم وظلّ يُقَاتِل ببسالة إلى أن طالته يد الإرهاب فقُتلته.

‎ تساءلت في نفسي!: ما الذي قلبَ الموازين البشرية بهذه الطريقة البشعة؟!، فما يمر يوم علينا إلا ونسمع خبر مجزرة هنا أو هناك.. ومع ذلك لم أعهد هذا الوجه الذي رأيته من صديقي الروسي على أحد منا.

‎ أجبته حزيناً: يا لدمائكم الغالية وَأيُّ دماءٍ رخيصة دماؤنا!.. ‎ما الذي يدفع إنساناً على أن ينظر من زاوية واحدة فقط، ‎ألم يخطر بباله أن هناك زاوية أكثر ألماً وقهراً وظُلمة؟!، ‎هذا البطل الذي يزعمه.. لم يترك بلاده للدفاع عنها، ولم يترك أهله وعائلته مؤمناً بقضية تخصه شخصياً، بل ذهب إلى بلاد تبعد مئات الأميال عن موطنه وفي قارّة أُخرى.. لكي يقصف المدنيين من الأطفال والنساء ويحرق الأرض ومن عليها من الأعلى بالطائرة الروسية الفتّاكة.. التي تفتك يومياً بأُناسٍ لم يهدّدوا بلاده في شيء، ولم يخطر في ذهنهم يوماً أن الشعارات السلمية المنبثقة من ظلم قديم مستمر أنهكهم جميعاً حتى لم يستطيعوا إلا أن يخرجوا ينادون بها ستوصلهم لكل هذا الدمار الوحشي.

‎ على مدى سبع سنوات لا تكاد تخلو دولة غربية إلا وقد شاركت في الحرب الدائرة في سوريا، وكلهم أبطال في نظر من أمرهم بهذا، لكن أبطال على من؟، على شعب عارٍ من أي وسيلة مساوية ولو بشكل بعيد في دفع هذا العدوان .. والنتيجة دماء لا تُحصى.

‎ سمّت وزارة الدفاع الروسية هذا الشعب المحروق: (الإرهابيين) ‎ففي الموازين الممسوخة صار من يدافع عن أرضه وعِرضه هو المُتّهم والإرهابي، ‎والغازي السفّاك لدماء الأبرياء هو البطل الذي يُحتَفَى به وتُقام عليه المآتم، وبعد إعلان مقتله، كثّفت الطائرات الروسية والسورية معاً قصفهما على السوريين حتى بلغوا إلى أكثر من (250) قتيلاً بعد أيام قليلة ويُعدّ هذا انتقاماً جماعياً في حق الشعب السوري، وثأراً خسيساً لأجل طيّار واحد فقط، ومازال القصف الشديد مستمراً على الغوطة حتى هذه اللحظة.

‎الحق يُقال: دماؤهم غالية عليهم .. ودماؤنا رخيصة علينا.. ‎وقد قالها قديماً الجنرال (سير ولاس كونجريف) وهو قائد عسكري بريطاني عالي الرتبة: «إن العرب واليهود والمسيحيين في سوريا وفلسطين كلهم بهائم على حدٍ سواء، وكلهم جميعاً لا يساوون رجلاً إنجليزياً واحداً».

‎كثرت دماؤنا لدرجة أن الأمر قد أصبح مألوفاً لدينا، فلا نكاد نشعر بشيء ولا أكاد أرى شخصاً واحداً منا يحزن لما يحدث لأخوانه في الدين والعِرق.. وتكالبت علينا الأمم ليس لأنهم أقوياء وأبطال بل لأننا كثير ، ضعيف، مُشتت، كغثاء السيل لا يُستغاث به، ولا يملك كفَّ الأذى عن نفسه.

أنا آسف لأني غير آسف حقاً يا صديق لكنني لن أستطيع أن أجاملك في هذا أو أن أُقدّر حزنك، فأنت لم تحترم أبسط الأمور الإنسانية عندما حزنت على قاتل منكم.. قتل الكثير منّا أبشع قِتلة، ومن يستقوي على بشر لا يعرفهم ولا يعرف ما قضيتهم ويقتلهم حرقًا لا يستحق التقدير.

 

Altamimi_505@hotmail.com