• أحمد : مغادرة غزة مرهونة بموافقة مصر أو إسرائيل
  • 90 طلباً بمغادرة غزة والسفر إلى ألمانيا دون جدوى
  • الخارجية الألمانية: لا نفوذ لنا على قرارات إسرائيل
  • شقيقته غادرت بسهولة إلى كندا بمساعدة دبلوماسيين كنديين

برلين -  الرية : والدة أحمد طبيل كبيرة في السن، ومريضة جداً، تشكو من تقصير في عمل الكبد والكليتين وتجمع الماء في البطن، وهي في سن الثانية والثمانين من عمرها.

وقال أحمد في تصريحات عبر الهاتف إلى صحيفة "زود دويتشه" الألمانية التي تصدر في مدينة ميونيخ، إنه قرر السفر إلى غزة لعيادة والدته، حالما تلقى منها اتصالا وأوضحت له أنها مريضة جدا، وطلب إجازة من رب العمل في جامعة كاسل حيث يعمل كموظف تقني واشترى بطاقة سفر ذهابا وإيابا إلى العاصمة الأردنية عمّان، وفي المطار هناك، التقى شقيقته التي كانت في هذه الأثناء قد سمعت بخبر مرض والدتها وأتت بدورها من كندا، واستأجرا سيارة أجرة أقلتهما إلى فلسطين المحتلة واستغرقت رحلتهما إلى غزة ثلاثة أيام، ليكونا بالقرب من والدتهما، وكان هذا قد حصل في مارس الماضي، وفي هذه الأثناء فقدت بطاقة عودة أحمد إلى ألمانيا مدتها، ومنذ ذلك الوقت يعاني أحمد الألماني من أصل فلسطيني، والذي يقيم منذ ثلاثين عاما في ألمانيا، ويملك الجنسية الألمانية منذ عشرين عاما، من صعوبة العودة إلى بيته وعمله في ألمانيا، ويقول إنه يشعر أنه موجود في سجن كبير اسمه غزة.

قضية سياسية

وأكد بيتر مونش، مراسل الصحيفة في الأراضي المحتلة، أن القضية تُعتبر سياسية وتصطدم بعراقيل بيروقراطية معقدة، وأسوأ ما فيها أن أحمد الذي يبلغ 49 عاما من العمر، يشعر بخيبة أمل كبيرة من المسؤولين الألمان، فقد تحولت زيارة أحمد إلى والدته المريضة، إلى زيارة مرعبة، بسبب عدم قدرته على مغادرة السجن الكبير الكثيف السكان والذي يعاني من دمار واسع بعد الحربين اللتين شنتهما إسرائيل على قطاع غزة، وذلك بسبب الحصار الذي تفرضه إسرائيل ومصر على غزة، وتم إغلاق كافة المعابر التي تشكل منفساً لسكان القطاع.

وقال أحمد، إن من له حظ، فإنه ينجح في مغادرة غزة، إذا وافقت السلطات في مصر أو إسرائيل على خروجه لأسباب إنسانية ويحصل على إذن خاص، لكن أحمد أكد أنه لا يعرف ما إذا سيتمكن في القريب من المغادرة ليعود إلى ألمانيا أو على الأقل كيف سيفلح بذلك.

حصار غزة

وسلطت قضية أحمد طبيل الأضواء على الظلم الذي يعاني منه سكان قطاع غزة بسبب الحصار الإسرائيلي المصري المشترك، ونشرت وسائل إعلام ألمانية تفاصيل قضيته، للفت نظر المسؤولين في الحكومة الألمانية للتدخل لمساعدة أحمد في العودة إلى ألمانيا، لقد توقف الزمن بالنسبة لأحمد، وفي بيته في ألمانيا، تنتظر أسرته عودته منذ ذلك الوقت، وقد أنشأ أصدقاء الأسرة وزملاؤه في الجامعة، مجموعة متابعة، وبعثوا بعدد من الرسائل عبر الإنترنت والبريد إلى سفارتي ألمانيا في تل أبيب والقاهرة، وإلى وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير، ويؤكدون أنه رغم ذلك، فإنه لم يتم اتخاذ أي إجراء لمساعدة أحمد في العودة إلى ألمانيا. وقال أحمد للصحيفة الألمانية إنه يوجد مرغما في غزة منذ ثمانية عشر أسبوعاً، وأنه يشعر أن السلطات الألمانية خيبت أمله وتتجاهل مساعدته رغم أنه مواطن ألماني، أم أن أحمد ألماني من الدرجة الثانية لأنه من أصل عربي؟

90 حالة مثل أحمد

وحسب الصحيفة، فإن مثل هذه الحالات في قطاع غزة ليست نادرة بل غالبا ما تحصل، وفي الوقت الراهن هناك حوالي 90 طلبا بمغادرة غزة والسفر إلى ألمانيا، قدمها ألمان من أصل فلسطيني، مرغمون على البقاء في غزة، لعدم قدرتهم على مغادرتها بسبب الحصار الإسرائيلي المصري، وكثيرا ما تحصل مثل هذه الإشكالات لألمان من أصل فلسطيني عندما يسافرون إلى غزة، وهم يستطيعون السفر بحرية من ألمانيا إلى عمّان، لكن عندما يسعون لمواصلة رحلتهم إلى المناطق الفلسطينية، تصر السلطات الأردنية والإسرائيلية أن يستخدموا أوراقهم الثبوتية الفلسطينية، وهكذا يصبحون تحت رحمتهم عند محاولة مغادرة غزة من أجل العودة إلى ألمانيا، ويمارسون القهر ضدهم، محملين حركة حماس المسؤولية، لكي يثيروا غضب المسافرين على حماس، وذلك في إطار حسابات سياسية ذات أهداف أصبحت معروفة.

ونتيجة لازدياد عدد مثل هذه الحالات، فإن وزارة الخارجية الألمانية، تنبه المسافرين إلى غزة من مغبة التعرض إلى هذه المشكلة، كما تلفت الوزارة النظر إلى أن موظفي البعثات الدبلوماسية الألمانية في الأراضي المحتلة، لا تستطيع تقديم خدمات قنصلية في قطاع غزة، ولا المساعدة عند رغبة سكان القطاع الذين يحملون الجنسية الألمانية، مغادرة غزة.

ألمانيا عاجزة أمام إسرائيل

وفي رسالة إلكترونية بعثتها وزارة الخارجية الألمانية إلى أحمد طبيل ونسخة إلى زوجته، جاء فيها أن البعثات الدبلوماسية الألمانية في تل أبيب، لا نفوذ لها على القرارات التي تتخذها السلطات الإسرائيلية، كما نفت وزارة الخارجية الألمانية اتهامها بالتقصير، وردا على سؤال طرحته الصحيفة على متحدث باسم الوزارة أجاب أن الوزارة تبذل قصارى جهدها لمساعدة أحمد وغيره على مغادرة غزة والعودة إلى ألمانيا.

لكن الصحيفة قالت إن أحمد طبيل لا يأخذ وعود وزارة الخارجية الألمانية على محمل الجد، خاصة وأنه يحاول مغادرة غزة منذ نحو 5 أشهر، وكل ما فعله أنه أراد زيارة والدته المريضة لبضعة أيام وربما كانت آخر فرصة لرؤيتها. وفي هذه الأثناء أعد أحمد تفاصيل أحداث القضية في ملف، وتتضمن وعودا كثيرة، وكتب أنه يشعر بأنه في ألمانيا مندمج بالمجتمع الألماني أما في غزة فإنه يشعر أنه ألماني من الدرجة الثانية وقال: لو كان اسم عائلتي "مولر" لكنت تمكنت من العودة بسرعة من غزة، وأكد أنه فقد ثقته بالسلطات الألمانية ولم يعد يعتقد أنها قادرة على مساعدته، خاصة أنه بينما يجلس في غزة، فإن شقيقته التي تحمل الجنسية الكندية، استطاعت بسهولة المغادرة والعودة إلى كندا بتاريخ 24 مايو الماضي.

وقال أحمد إن الدبلوماسيين الكنديين قدموا لها مساعدة عاجلة، لكن أحمد بدأ يفقد الأمل بأن ينجح الألمان في مساعدته على مغادرة غزة والعودة عبر أحد المطارات الإسرائيلية، أو على الأقل، مساعدته على عبور معبر رفح على حدود غزة مع مصر، أو قيامه بدفع رشوة قيمتها ألفا دولار.

خيبة أمل

في هذه الأثناء لم يعد يعرف أحمد طبيل متى يعود إلى بيته وعمله، فكل ليلة يتوجه إلى سريره وهو يشعر بخيبة أمل تجاه المسؤولين الألمان، ويصحو على أمل، فغزة بالنسبة إليه مثل جوانتنامو، لكن أكبر، بعد ثلاثين عاما مرت على إقامته في ألمانيا، أصبح يدرك أن الدولة الألمانية لا تحميه، ويقضي وقته في متابعة الإنترنت حين تتوفر الكهرباء، وفي هذه الأثناء قال إنه فقد 14 كلج من وزنه، وهذا الشيء الإيجابي الوحيد في رحلة العذاب التي قام بها إلى غزة، ويتحدث عبر السكايب يوميا مع زوجته وطفليهما، ورغم أنه يخفي عن طفليه مشاعر القلق، إلا أنه يجهش بالبكاء بعد نهاية الاتصال.

أما صحة والدته، فقد تحسنت بعد رؤية ابنها الألماني وبنتها الكندية، وكأنها حصلت على حياة جديدة، وأصبحت في هذه الأثناء تشعر بتأنيب الضمير لكونها كانت سبب وقوع أحمد في فخ النزاع السياسي بين إسرائيل ومصر من جهة، وحماس من جهة أخرى. وقال أحمد إن والدته تسأله كل يوم عن موعد سفره إلى أطفاله في ألمانيا.

طبعا لا يستطيع أحمد إجابتها، لكنه على أهبة الاستعداد للمغادرة في كل لحظة، وقد أعد حقيبة العودة منذ أسابيع بانتظار السماح له بمغادرة السجن الكبير.