بقلم - ممدوح محمد الشمسي:

يُحكى أن أخوين متحابين كانا يعيشان في توافق تام في مزرعتهما، يزرعان معاً ويحصدان سوياً، وفي يوم من الأيام حدث خلاف بينهما واستمر عدة أسابيع.

وذات يوم طرق شخص باب الأخ الأكبر باحثاً عن عمل، فأجابه الأخ الأكبر بالإيجاب وأخبره بوجود قِطَع من الحجارة قرب منزله ، وأنه يرغب في بناء سور عالٍ يقسم المزرعة بينهما انتقاماً من أخيه الأصغر الذي أساء إليه.

فأجابه العامل بأنه قد فهم الوضع، فأعطاه الأخ الأكبر الأدوات اللازمة، ثم سافر تاركاً إياه يعمل أسبوعاً كاملاً، وعند عودته من السفر وجد مفاجأة بانتظاره، فبدلاً من بناء سور بنى العامل جسراً بديعاً ! في تلك اللحظة خرج الأخ الأصغر مسرعاً صوب أخيه قائلاً: يا لك من أخ رائع ! تبني جسراً بيننا رغم كل ما بدر مني ! وبينما كان الأخَوَان يحتفلان بالصلح، أخذ العامل يجمع أدواته استعداداً للرحيل، فطلب منه الأخَوَان البقاء معهما ، فأجاب بأنه يرغب في البقاء، لكن العالم يحتاجه لبناء جسور أخرى كثيرة.

هذه القصة تعبر عن واقعنا الأليم الذي نعيشه الآن، فقد انقطعت جسور وأواصر وعلاقات بين الكثير من الأفراد، بل والمجتمعات والدول، وكم نحتاج إلى من يبني تلك الجسور، وما أجمل أن ننطلق لبناء تلك الجسور من اللبنة الأولى في حياة أي إنسان، من شعلة القيم والمبادئ، من الحصن المنيع، من (الأسرة) ، والتي إذا عادت لدورها الذي نفتقده الآن - لتغيرت الظروف وتبدلت الأحوال إلى أفضل ما نتمنى.

ما أحوجنا إلى أن نفكر - نحن الآباء والأمهات - في أنشطة تعيد للأسرة رونقها ومكانتها التربوية والاجتماعية، ما أحوجنا إلى التفكير في أعمال هدفها الرئيس بناء جسور المحبة بين أفراد الأسرة، وإزالة الحواجز، وكسر الروتين، وتنمية الجوانب الاجتماعية، والفكرية، وإبراز المواهب ، وحل المشكلات التي تواجه الأسرة أو أحد أفرادها، وإشاعة الحوار والتدريب عليه، إلى غير ذلك من المكاسب العظيمة .

المهم أن تكون تلك الأعمال مكتنزة بالجديد المفيد، ومفعمة بالحيوية والنشاط في جوٍ من الدعابة والمرح، والثقافة والتعليم، وحل المشكلات، بعيدًا عن النقد وإثارة الموضوعات الحسَّاسة التي ربما تسبب نفرة أحد أفراد الأسرة، وعندها لن نتخيل مدى التأثير الإيجابي الذي سينعكس على أسرنا، وستصبح هذه الأعمال من الذكريات الجميلة لدى كل فرد من أفراد الأسرة فيما بعد، يكفيك من تلك الأعمال أنه يمكنك أن تكتشف مواهب أطفالك وإبداعهم، ويمكنك أن ترى رسوماتهم، وتستمع لأناشيدهم، ومغامراتهم وقصصهم المسلية، يمكنك أن تشاركهم اللعب والمرح.

ما أروع أن نضع أسرنا على قائمة أولوياتنا ! وما أجمل أن يسأل كل منا نفسه: أين جسري ؟!