بقلم : توجان فيصل (كاتبة أردنية) ..
كل الحقوق تأتي من نصوص ضامنة لها. وفي العالم الحديث هذه النصوص هي الدساتير. و«الصلاحيات» المُعطاة للسلطات الثلاث: التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائية قُسّمت ونُظّمت لضمان تلك الحقوق لا غير. وهذا ينطبق على دستورنا الأردنيّ الأصل، وكونه لا ينطبق على العديد من التعديلات التي أدخلت عليه هو دلالة على «عدم دستوريّة»، وبالتالي عدم شرعية تلك التعديلات.

وهذه مقدّمة ثبت أنّها لازمة لنعود لقضية سجن مجلس سابق لنقابة المهندسين بحكم أيّدته محكمة الاستئناف، فطلبت نقابة المهندسين من وزير العدل السماح بتمييزه كون التهمة صُنّفت على أنها «جنحة»، ما يُوجب موافقة وزير العدل على تمييز الحكم.

والغرض التشريعيّ هنا هو عدم إشغال محكمة عليا بقضايا صغيرة. ولكن في الدول المتقدّمة والحريصة على حقّ «الحرية» لمُواطنيها (كالدول الأوروبية وبريطانيا والولايات المتحدة وكندا)، أيّ حكم يقيّد حرية المحكوم ينبغي أن يستنزف كل وسائل الطّعن المتاحة. فالحرّية مُقدسة، ولنا في قول الخليفة العادل عمر بن الخطاب «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً» قدوة سابقة. وأردنياً جرى صراحة استخدام توصيف «الجنحة»، التي يصل الحكم بالسجن فيها لثلاث سنوات، لمنع تمييز أحكام بعينها تستصدر من محاكم عسكرية وسّعت صلاحياتها لتحاكم مدنيّين في كل شأن تقريباً.

ونأتي للتهمة التي حكم لأجلها مجلس النقابة، والتي وُصفت بأنها تزوير «مصدقات»، فيما هي حقيقة قبول عضوية مهندسين من الضفة الغربية في نقابة المُهندسين الأردنيّة. هذا مع أن المادة الثالثة من قانون النقابة تنصّ على تسجيل أعضاء من غرفتي عمان والقدس. ولا نعرف إن أضيف للقانون مادة جديدة تنصّ على اشتراط أن يكون المسجل في النقابات أردنياً يحمل «الرقم الوطني» (المستجد أردنياً). ولكن فرضية تطبيق هكذا مادة تعني بداية إفلاس النقابات. فنقابة المهندسين وحدها تضمّ 21 ألف عضو من الضفة الغربية، شطْب عضويتهم يستوجب إعادة اشتراكاتهم مضافاً لها فوائدها.

لهذا فمن الطبيعي، أقلّه، أن تنتظر النقابات حل مشكلة سحب الرقم الوطني من أردنيين من أصل فلسطينيّ، والذي ملفاته ما بين سحب وتأجيل سحب وإعادة أرقام سحبت، تصل لعشرات الآلاف وهي مازالت منظورة أو معلقة منذ سنوات وتعمل فيها الواسطات كما الكيدية. وثانياً، وهو أهمّ، أنّ موقف النقابات من رفض قصة فكّ الارتباط بأعضائها في الضفة الغربية المحتلة ظلّ الموقف الوطني العام والمؤيد شعبياً وغير المعترض عليه رسمياً في ذات عهد الملك حسين صاحب قرار فكّ الارتباط. وثالثاً، وهو الأهمّ من كل هذا، وبخاصة لكوننا أمام قضية عدلية، هو عدم جواز سحب الجنسية (الرقم الوطني) من أهل الضفة الغربية المحتلة لا دستورياً ولا قانونياً.

فدستورياً، لا يجوز أي فعل يتضمن فصل الضفة الغربية المحتلة أو أي جزء آخر من المملكة عنه، إذ تنصّ مادته الأولى على أن «المملكة الأردنية الهاشمية دولة عربية مستقلّة ذات سيادة ملكها لا يتجزأ ولا ينزل عن أي شيء منه، والشعب الأردنيّ جزء من الأمة العربية، ونظام الحكم فيها ملكي وراثي».

وهذا نصّ المادة منذ وضع الدستور عام 1952، وليومنا هذا، ما يجعل اتفاقية وادي عربة ذاتها غير دستورية. وقبول تغيير أي مكوّن للمادة دونما حاجة لتعديلها يعني قبول تغيير أي مكوّن آخر بذات السهولة. ومن هنا فإن وقف أية تنازلات أكبر في شأن الضفة المحتلة والاتكاء ما أمكن على الرفض الشعبي لاحتلال الضفة، ومنه الرفض الشعبي لفكّ الارتباط والذي جسدته النقابات المهنية، يبقى الأكثر حصافة «سياسياً» على الأقلّ.

والأهم أن الإجراءات التي تلت باسم «فكّ الارتباط» أيضاً ليست دستورية. فوثيقته الوحيدة هي خطاب الملك حسين عام 1988، والذي لم يترجم لتعديل دستوري رغم كثرة التعديلات التي أدخلت على الدّستور المجمّد العمل به منذ العام 1957. ولم يصدر به قانون يتجاهل الدستور رغم كثرة القوانين «غير الدستورية». ولهذا لم يصدر به حتى «نظام» تتبعه الحكومة لتنفيذ القرار وكأنه قانون..لا بل ولم تصدر، كونها لم تنشر، أية «تعليمات» للأجهزة الحكومية!

الجنسية حقّ إنساني في القوانين الدولية. وأهل الضفة الغربية أصبحوا مواطنين أردنيين منذ ضم الضفة عام 1948، وباتت لهم ذات «حقوق الأردنيين» التي جاءت لاحقاً في دستور عام 1957، أي بعد حوالي عشر سنوات من الضمّ تبيّن فيها الجميع في الدولة المستحدثة ما له وما عليه، وليس فقط كردّ فعل مرتجل لحرب غيرت خريطة المنطقة لتقيم دولة لمستوطنين غزاة.

وبالعودة لقانون الجنسية الأردني، سحب الجنسية يلزمه قرار مجلس وزراء يصادق الملك عليه، ويتوجب نشره في الجريدة الرسمية، وحينه يحق للمعني اللجوء للقضاء لنقض القرار. وهو غير ما يجري من سحب جنسيات على يد موظفين صغار أو كبار ويصل لتشتيت أسر، بل ويتضمن عقوبات لا يخضع لها غير الأردني ابتداء (كعدم السماح بتملك عقار أو التصرف بأسهم شراء وبيعاً مما هو متاح بل ومعروض على من يسمون مستثمرين غير أردنيين)، بل ويمكن العودة عن السحب أو تعليقه مؤقتاً لأسباب عدة تنزل لتدخل «واسطات» من أوزان مختلفة!

حكم المحكمة المستجد هذا سيفتح أعين العالم على كل هذا الخلط العجيب المفتقد للشرعية الدستورية والقانونية، والآن تحديداً حين تنبه العالم لمعاناة الفلسطينيين، والتي يجب أن لا يدان بها سوى عدونا وعدو العرب جميعاً.