بقلم  - سليم عزوز:

لم أسمع، منذُ أنْ "وعيت على ظهر الدّنيا"، أنّ حاكماً تحرّك بزفّة من الطّائرات المُقاتلة، أو أنّه زار بلداً وأحاطت به أسراب الطّائرات، كما حدث في الزّيارة الحالية لعبد الفتاح السيسي إلى "الشقيقة الكبرى" فرنسا!

فلولا أنّ خبر "الزفّة" نشرته صحافة الموالاة في مصر، لقلت إنّها مُحاولة لتشويه الرجل، ووصمه بالجنون، من الإعلام المُعادي الّذي يقف له "على الواحدة"، بَيدَ أنّ إعلامه هو ما نشر الخبر، وهو في حالة ابتهاج فطريّ، وقد نشرت هذه الصحف صورة السيسي، وهو يضع وجهه على زجاج نافذة طائرته، ويتفقّد الطّائرات المُصاحبة لموكبه، حيث بدا كقَرويّ يُسافر لأوّل مرّة عبر الطّائرة لا يعرف إنْ كان في حلم أم في علم؟!، ومن الواضح أنّ الصورة التقطت له من قبل الوفد المُرافق، وأرسلت للصحف ليرى النّاس هذا المشهد الأسطوريّ، الّذي هو من جنس تحرّكات زعيم كوريا الشماليّة "جم جونغ أون"، ولم يتبقّ إلا أنْ يحلق شعر رأسه "كابوريا" مثله، وربما يحدث بوجوده التّوازن المطلوب، فواحد في كوريا، والثاني في واشنطن، ليصبح طبيعيّاً أن يكون الثالث في منطقة الشرق الأوسط، ولتعويض الخلل الذي تعرّضت له المنطقة بغياب "الأخ العقيد معمر القذافي"!

ما نشرته الصّحف أنّ مُقاتلات مصريّة وفرنسيّة من طراز "رافال"، قد أحاطت بالطّائرة الرئاسيّة، فثلاث طائرات مصريّات عن يمينه، ومثلهنّ فرنسيّات عن شماله، ومن الواضح أنّ الطّائرات المصريّة رافقت رحلته، بينما الثلاث الفرنسيّات كنّ في انتظاره بمجرد دخوله الأجواء الفرنسيّة. وبحسب المنشور، فإنّ هذا الحضور من طائرات الـ "رافال" كان ترحيباً بالضّيف، ليطرح هذا سؤالاً منذُ متى كانت فرنسا تستقبل ضيوفها بهذا الشكل الأسطوريّ؟.. والإجابة ستصل بنا إلى بيت القصيد من هذا الاستقبال غير المسبوق، والّذي ينحدر بالقيادة الفرنسيّة إلى مُستوى أداء "النّصّاب"، الّذي يخطّط لـ "تقليب" الفريسة، وأخذ كلّ ما في جيبها، بمجرّد إرضاء غروره، والتّلاعب برغبته في أن يكون شخصاً مُهمّاً.

فالسيسي اصطحب معه ثلاث مقاتلات، والفرنسيون استقبلوه بثلاث مثلهنّ، ولا يرجع الأمر إلى الخوف من رصد طائرته من قبل الجماعات المُسلّحة، ولكن الهدف من ذلك هو التّرحيب كما أكّدت صحف الموالاة، وإذا كان من المنطقيّ أن تدفع فرنسا، والشركة المصنّعة للمُقاتلة "رافال" بثلاث طائرات، للتّرحيب به، فإنه يبدو من المُدهش أن يصطحب السيسي ثلاث مُقاتلات من القاهرة، لذات الهدف، وهو التّرحيب بنفسه، ويبدو لأنه "جديد" في "كار" الرّئاسة، فلم يعلم أن مواكب المسؤولين تكون على الأرض وتتشكّل من السيّارات والدّراجات النّاريّة، وليس من الطّائرات المُقاتلة في "عرض السّماء"، فهل كان السيسي يخشى من شيءٍ ما، وكان اصطحابه للمُقاتلات، هو لصدّ أيّ عدوان على طائرته، وكان دفع أهل فرنسا بثلاث مُقاتلات مثلهنّ، لذات الهدف، ولتقديم المشهد على أنه للتّرحيب وزينة، وعلى أساس أنّ أبا سفيان يحبّ الفخر؟!

ولاسيما أن مصر تعرّضت لحادث مسلّح هو الأوّل من نوعه في صحراء الواحات، وقيل أنّ عدم الدفع بطائرات لإنقاذ "فرقة الأمن"، هو الخوف من أن يُطلق نحوها المُسلّحون صاروخاً، فلا أحد يعرف حجم الأسلحة التي يملكون ونوعيتها، بعد أن ثبت أنهم يملكون أسلحة ثقيلة مثل الهاون وغير هذا، والّتي لم يملك حيالها رجال الشّرطة صدّاً أو ردّاً، رغم أنّ "حبيب العادلي"، وزير الداخليّة في عهد مبارك، سلّح الشّرطة بأسلحة مُختلفة عن تلك التي تستخدمها منذ تأسيسها، وهو ما دفع البعض للقول حينئذ إنّه يجعل من الشّرطة جيشاً موازياً، ووزارة الداخليّة تملك طائرات أيضاً!

وعلى ذكر حادث الواحات، فقد كان يُنتظر أن يُلغي عبد الفتاح السيسي سفره إلى فرنسا، وفي مثل هذه الحوادث، فإنّ الحاكم إذا كان في الخارج فإنه يقطع زيارته ويعود إلى بلده، لكن الغريب هو ما أقدم عليه المذكور من السفر بينما مصر تعيش حزناً عظيماً لمقتل هذا العدد الكبير من الجنود وضبّاط الشّرطة، وهو حزن مقرون بالخوف من وجود تنظيمات مُسلّحة في مصر تملك هذه القدرات الهائلة، التي استخدمتها في مُواجهة القوّة الأمنيّة في الواحات، وفي المُقابل استسلمت هذه القوّة بشكل كامل.

إنّها عقلية التاجر، فصفقة الـ "رافل" الجديدة "استوت"، بعد مُفاوضات طويلة بسبب عدم توفّر السيولة، ولم يشأ عبد الفتاح السيسي أن يتأخّر، حتّى لا تجدّ في الأمور أمورٌ، وربما استعجالاً على إتمام الصفقة لأسباب خاصّة به، فاستدعى القاعدة التي تقول إن "الحي أبقى من الميّت"، وسافر قبل أن تقف مصر على حدود ما جرى، وعلى عدد الضحايا، هذا فضلاً عن أنّ ضابطاً لم يكفّ والده عن إعلان اختفائه، وكان من ضمن الفريق الذي شكّل القوّة الأمنيّة هذه.

استخفاف واضح بمشاعر المصريّين، لكن هذا ليس هو "مربط الفرس"، فمربطه أنّ هذه الصفقة تقدّر بـ (5.2) مليار يورو لشراء (12) طائرة من طراز "رافال"، وكانت المُباحثات حولها قد توقّفت في العام الماضي، بسبب مشكلات تتعلّق بالتّمويل، بحسب صحيفة "لوتربيون" الفرنسيّة، فهل تمكن السيسي من الحصول على التمويل اللازم لهذه الصفقة الكبيرة؟، ولم تكن هي الأولى من نوعها، فصفقة الـ "رافال" الأولى كانت في سنة 2015، وبذات القيمة تقريباً، وكان 60% من قيمة الصفقة هي بضمان قروض، و40% دفعتها مصر من "لحم الحي"!

فهل مصر في ظروفها الاقتصاديّة البائسة الآن، بحاجة إلى هذه الصفقات الكبيرة من الأسلحة؟!.. لاسيما أنّ هذه الصفقات لا تبدو أنها لضرورات عسكريّة، لكن لأسباب سياسيّة، وسعياً من السيسي لتأكيد شرعيّته دوليّاً بتقديم رشوة لفرنسا، وهي الشرعية التي ضنّت بها عليه جماهير الشّعب المصريّ، وله فيها مآرب أخرى، فلم يعد سرّاً أن صفقات التّسليح فيها عمولات مشرعنة دوليّاً!

لقد كان التسليح دائماً هو خطّ أحمر، لا يجوز لأحد أن يُنكر تسليح الجيوش حتّى لو ماتت الشعوب من الجوع، لكن المُلاحظ أن هذه الصّفقة تأتي بعد الصّفقة الأولى، فقد ظلّ أفراد قوّة الواحات أكثر من اثنتي عشرة ساعة في انتظار طائرة تنقذهم، مع أنّ مصر تمتلك اثنتي عشرة طائرة من الصّفقة الأولى، ومع أنّها طائرات مُقاتلة، ولها استخدامات عدّة، فلم تظهر في ساحات القتال، وإنّما تحوّلت إلى طائرات ورق تتشكّل منها "زفّة السيسي" وهو في طريقه إلى فرنسا، ويتمّ الدفع بمثلها من قبل الشّركة الفرنسيّة لزوم "الزفّة" أيضاً، وبمقتضى هذه الصفقات غضّت فرنسا الطرف عن انتهاك حقوق الإنسان الّتي يقوم بها النّظام الانقلابيّ في مصر، ويقبل قادة فرنسا على أنفسهم القيام بدور "أمّ العروسة" في "الأفراح البلديّ"، من أجل صفقات استنزاف المال العربيّ، وأيضاً مُقابل العمولة، وقد حوّل عبد الفتاح السيسي الرئيس الفرنسيّ السّابق إلى سمسار سلاح.

إنّها الدول عندما تهبط لمُستوى "فرح العمدة"!

كاتب وصحفي مصري

azouz1966@gmail.com