بقلم : طـــه خـلـيفـة(كاتب وصحفي مصري) ..
الأحد 15 يوليو 2018 كان ختام العرس الكروي العالمي في موسكو ليخرج منه بوتين متوجاً بالانتصار الرياضي الكبير، وفي اليوم التالي مباشرة الاثنين 16 يوليو كان يحصل على الانتصار الثاني، وهو انتصار سياسي مجاني من أمريكا غريم بلاده التاريخي، حيث قدم له الرئيس ترامب هدية ثمينة جداً على مرأى ومسمع من العالم عندما لم يدن أو يتهم روسيا في المؤتمر الصحفي المشترك للرئيسين بعد القمة الأولى بينهما في هلسنكي بفنلندا بتدخلها في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016 والتي فاز فيها على هيلاري كلينتون.

ترامب انحاز بشكل واضح إلى نفي بوتين المعتاد بعدم التدخل في الانتخابات، وخطورة كلامه أنه يكذب نتائج تحقيقات مطولة لأجهزة الاستخبارات في بلاده واللجنة القضائية المستقلة برئاسة روبرت مولر وتحقيقات الكونجرس، بحدوث تدخل وقرصنة روسية، ومن المدهش أن يقول ترامب ذلك رغم أنه قبل ثلاثة أيام فقط من القمة اتهمت وزارة العدل الأمريكية 12 من ضباط المخابرات العسكرية الروسية بقرصنة البريد الإلكتروني لعدد من مسؤولي الحزب الديمقراطي خلال الانتخابات، والأدهى أن ينتقد مولر والتحقيقات التي يجريها في القضية، كما ينتقد أسلافه من الرؤساء السابقين واصفاً طريقة تعاملهم مع روسيا بالغباء.

لم يحدث من قبل أن يأخذ رئيساً أمريكياً موقفاً معادياً لأجهزة الاستخبارات والأمن والقضاء في بلاده، ويكون ليناً ضعيفاً خانعاً مع الروس كما فعل ترامب حتى لو كان التشكيك يطال انتخابات فاز بها ودخل عبرها البيت الأبيض ولا يريد أن تمسه شبهات تنتقص من شرعية رئاسته، ذلك أن المؤسسات والأجهزة في أمريكا لا تعمل لصالح رئيس أو ضده إنما تمارس عملها بمهنية وحيادية لحماية الدولة والديمقراطية، ولهذا فجرت تصريحاته عاصفة سياسية عنيفة ضده من الجمهوريين في حزبه قبل الديمقراطيين المعارضين له، ومن قادة الاستخبارات حاليين وسابقين، ومن محللين ومراقبين ومختلف الطيف السياسي والإعلامي، وحتى من شبكة فوكس نيوز الداعم الثابت له.

في المؤتمر الصحفي، وقبله في القمة التي سعى حثيثاً لعقدها، وكان حريصاً جداً عليها، ولم تصدر منه أي إشارة سلبية بشأن إتمامها لاختبار مدى قوة وعزيمة بوتين في التقارب وانتزاع تنازلات منه في ملفات أزمة شائكة خرج بوتين بانتصار كبير ربما لم يكن يتوقعه وقدمه له ترامب طوعاً، وهو ما فجر زلزال الاحتجاجات في واشنطن انطلاقاً من الشعور العام بالمهانة، والحط من كبرياء دولتهم، ورفض إهانة مؤسساتهم، ولهذا لم يتورع الديمقراطيون في اتهامه بالخيانة وجلب العار للبلاد.

تراجع الرئيس الأمريكي عن تصريحاته سريعاً لامتصاص الغضب لا يعني شيئاً لـ بوتين الذي استلم الهدية، ولم يعبأ بالرصاصة التي خرجت من فم ترامب ولاتزال تسيل دماء أمريكية، والمؤكد أن القيصر في غاية السعادة الآن، وهو يتابع من قصر الكرملين الحرب السياسية التي تشعل واشنطن.

ترامب يواصل التخبط والانتهازية والابتزاز والتجارة والصفقات، رئيس لا علاقة له بعالم السياسة، يضرب في كل الاتجاهات دون حسابات سياسية مدروسة، يخلط كل الأوراق، ويثير التوتر والارتباك والحروب السياسية والتجارية في العالم مع حلفاء وأصدقاء بلاده قبل أعدائها، ويبدو أنه خارج سيطرة مستشاريه وكبار مسؤولي إدارته، ترامب يعزز بنفسه الشكوك المتزايدة حوله بأن يكون لدى بوتين فعلاً ملفات سرية خطيرة بشأن التدخل لدعمه في الانتخابات والفوز بها، وملفات أخرى شخصية تتعلق بـمصالح خاصة بأعماله التجارية ولو توصلت تحقيقات مولر لتورط حملته الانتخابية مع الكرملين فإن ذلك سيكون خطيراً لجهة إسقاطه سياسياً ورئاسياً، فلا تفسير لهذا الضعف والتخاذل أمام بوتين، والسعي بكل الطرق لخطب وده، والتقرب إليه وطلب صداقته، بعكس ما يفعله مع أقرب حلفاء أمريكا من هجمات متواصلة عليهم، سوى تعزيز فكرة وجود شيء ما كبير وخطير لدى الروس يتحسس منه، ثم يخفي نفسه وراء شعار أنه في سعيه لعلاقات خاصة مع موسكو يحقق المصالح الأمريكية.

ترامب أحد إفرازات الديمقراطية، مع ذلك فالديمقراطية تقوم بتقويم نتائجها وتصحيح أخطائها، فقد تحرك فوراً المجتمع الديمقراطي الأمريكي بكل توجهاته لضبط سلوك الرئيس المنفلت فرضخ وتراجع وانكمش، ومن هذه الديمقراطية العتيدة تستمد أمريكا أسباب قوتها وعظمتها وتفوقها على روسيا والصين وعلى كل الأنظمة الشمولية والمستبدة والفاشية في العالم.
  
tmyal66@hotmail.com