أ.د. عمر بن قينه

حِلية الكلام الصدق في القول؛ كفضيلة الصدق في العمل، فضيلة إنسانية، من روح الدين والحياة الإنسانية السوية. بالصدق تتحدّد شخصية الإنسان ومستوى مروءته؛ فمكانته بين الناس الأسوياء ذوي النفوس الخيّرة، دون النفوس الوضيعة، هو من قيم الإسلام الذي شوّهه الزنادقة الأنذال!

الصدق صفة المؤمنين المجاهدين «أولئك هم الصادقون» (الحجرات:15) فلسان (العاقل المؤمن) وراء قلبه، كما قال رسول الله صلى الله عليه، «فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه، فإن كان له تكلم وإن كان عليه سكت» فكل «من صدق لسانه كثر أعوانه» كما قال بعضهم. فالصدق فضيلة والكذب رذيلة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صدّيقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتّى يكتب عند الله كذابا» كما روى (البخاري).

الصدق أصالة نفس كريمة أما الكذب فهو صفة الأنذال الأراذل بين الناس؛ فأن تلقى الله صادقا مؤمنا في قول وعمل: خير مليون مرة من أن تعيش حياتك بالكذب بين الناس «هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم» (النحل:105) وقد قال (عمر بن الخطاب):»لأن يضعني الصدق وقلما يضع: أحبّ إلي من أن يرفعني الكذب وقلما يفعل» لأن الكذب رذيلة تشوّه صورة الإنسان وتميت النفوس، أما الصدق ففضيلة تمنحها الطمأنينة والسلام؛ ولكل امرئ من أمره ما تعوّد (صدقا) أو (كذبا):

عوّد لسانك قول الصدق تحظ به إنّ اللسان لما عوّدت معتاد

بينما الكذب يجلب الشرور «لسوء عواقبه وخبث نتائجه» في حياة الأفراد والجماعات، بل والأمم أيضا «إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون» (النحل:105) وكل من يستلذّ الكذب يعسر فطامه فيكبر ضلاله؛ فأذاه بين الناس:

فإن لم تجد قولا سديدا تقوله فصمتك عن غير السداد سداد

(الكذب) من صفات (المنافقين) والضالين أجمعين «فقالوا يا ليتنا نُردّ ولا نكذّب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبلُ ولو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون» (الأنعام:27،28) كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «تحرّوا الصدق وإن رأيتم فيه الهلكة فإن فيه النجاة، وتجنّبوا الكذب وإن رأيتم فيه النجاة فإن فيه الهلكة» قال الرسول الأمين ذلك لما يعرف من مغريات بالكذب لضعفاء النفوس والهمم التي تخيّل لهم النفس (الأمّارة بالسوء) أن فيه الفوز وبه الفلاح؛ فتزهّدهم في الصدق الذي تخيّل إليهم شياطينهم بأنه مانعهم حقوقهم والكذب ضامنها!

إنها الحقيقة التي يعيشها المسلم ومنه العربي يوميا، فإن يكن للكافر الجاهل بحقائق الدين بعض العذر فأي عذر للمسلم الحقيقي والدّعيّ؟ فحتى المواطن البسيط يعلم عموما -وإن من دون تفقّه- حكم الشرع في ذلك، لكنه بفعل تلك (النفس الأمّارة) ينأى عن الصدق كفضيلة إنسانية وأمر شرعي ويمارس الكذب يوميا بحجج جمة مختلفة، يختلقها لنفسه اختلاقا، تغريه برذيلة الكذب الذي هو من الرذائل البشرية، بات يمارسها (مسلمون) أكثر من كافر له ضمير إنساني، في محيط أوروبي منضبط، تتحدّد فيه الحقوق والواجبات، فلكل ذي حق حقّه، ولكل ظالم جزاؤه بقوة القانون الوضعي الرّدعي، فالقانون (يعلو ولا يُعلى عليه) كنصوص مدنية أو عسكرية، يقابلها لدينا القانون الإلهي والقوانين الوضعية المستمدّة منه، لكننا ننفلت منها، من ضوابط الإسلام الشرعية، لنوازعنا البشرية، وغياب الردع الأخلاقي النفسي والمادي.

يحاسب القانون البشري الإنسان الذي نصفه (بالكافر) في أوروبا وأمريكا ونحوهما حسابا دقيقا عسيرا، يحذر ديننا المنافقين والكاذبين ويتوعدهم بسوء المآل في الآخرة، وبأحكام في الدنيا لا يطبّقها حكام على محكومين، لأن الحاكم (قدوة) مثله حاشيته وأزلامه الحزبيّون والمتمسّحون بأطرافه، فمنهم يتعوّد المواطن الكذب لحفظ مصالحه، كما يعوّد الحكام على كواهل الشعوب خلف الوعد وخيانة الأمانة المعنوية والمادية. حتى غدا (الصدق) عملة نادرة و(الكذب) حقيقتنا القائمة و(عادتنا) الدائمة: أنظمة وشعوبا، تزعم أنها إسلامية! حتى عباداتها باتت شكلية من دون روح!

لكل امرئ في حياته (ما تعوّد) من صدق وكذب، فمروءة المرء تدفعه إلى الصدق وتمنعه من الكذب، فإن كان الكذب خلاصة الشرور فالصدق: طمأنينة وهناء وسلام.

كاتب جزائري

E-Mail: beng.33@hotmail.com