بقلم : السنوسي بسيكري ..
لا يزال الخلاف قائماً في الوسط الليبي حول الاتجاه إلى الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة كحل للأزمة الراهنة، أم تأجيل الانتخابات والشروع في حوار بين أطراف النزاع للتوافق على سلطة تنفيذيّة فاعلة؛ تقوم بمهام رئيسيّة منها التمهيد للانتخابات العامّة.

الذهاب للانتخابات جاء بعد انسداد الأفق السياسي بفشل جولات التفاوض التي شهدتها العاصمة التونسيّة منذ ما يزيد على العام، فقد أظهرت جولات الحوار التونسي مدى عمق الخلافات بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة وما يمثلانهما.

وتعالت الأصوات للدفع باتجاه صندوق الاقتراع من أطراف عدّة، الكثير منها قد سئم مواقف أطراف النزاع ومماطلتها، لكن التعويل على الانتخابات أصبح أكثر حيويّة بعد أن جعله المبعوث الأممي الجديد، غسان سلامة، محور خطته لتسوية النزاع الليبي.

ومنذ 20 سبتمبر 2017م، ومن داخل إحدى قاعات الأمم المتحدة صار هذا الخيار القدر المقدور، حيث أعلن المبعوث إجراء الانتخابات بنهاية العام الحالي.

كان هناك اعتراض على المبعوث الأممي وخُطته، وعبّر كثيرون عن تحفّظهم على الانتخابات من منطلق أنها لن تقدّم جديداً على مسار الحل، والحجة عندهم أن الرأي العام يعيش حالة استلاب جرّاء النزاع والحملات الإعلاميّة المضادّة، وبالتالي لن يكون الناتج إلا جسماً تشريعياً متناقضاً مشلولاً، وغير مؤهل لقيادة البلاد وهي تعيش أخطر أزماتها.

وهناك من يتحفّظ على الانتخابات الرئاسيّة؛ للاعتقاد بأنها ستكون وسيلة التمكين لخليفة حفتر بعد أن فشل في فرض نفسه عسكرياً، حتى تفرّع الخلاف ليصبح حول إجراء انتخابات متزامنة كما يريد طرف، أو قصر الانتخابات على المجلس التشريعي فقط كما يدعو آخرون.

الخلاف ازداد حدّة بعد أن انقسمت الأطراف الدوليّة الفاعلة على نفسها في هذا الخصوص بعد اجتماعي باريس وروما، فقد صار جلياً أن هناك محوراً دولياً مهماً يضم واشنطن وروما، يدعو إلى تجاوز خطة سلامة بتأجيل الانتخابات، والتفاوض حول إعادة ترتيب المؤسسات التنفيذيّة، وفرض درجة من الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.

على الجهة المقابلة، تقف باريس وخلفها موسكو ومعهما الجارة مصر، حيث أظهرت فرنسا إصراراً على إنجاز الانتخابات قبل نهاية العام الجاري، ويبدو أنها استنفدت جهدها كاملاً دون أن تظهر بوادر نجاح.

الإشارة الأهم جاءت في تراجع المبعوث الأممي عن خُطته بشكل صريح، بعد أن أعلن في آخر إحاطة له أمام مجلس الأمن منذ أسابيع عدّة؛ عن صعوبة أن تجرى انتخابات هذا العام، وظلّ تمسكه بالانتخابات كخيار عام مفتوح، وليس وسيلة لإنهاء النزاع في وقت محدّد.

إذن، بات مؤكداً أن لا انتخابات هذا العام، ويبدو أنه صار راجحاً أن لا انتخابات في ظل الوضع الراهن، وأن الاتجاه سيكون بالدفع إلى توافق ينهي أهم مظاهر التأزيم المستحدثة، والتي في مقدمتها الأزمة الاقتصاديّة الخانقة المتمثلة في النقص الشديد في السيولة، وارتفاع الأسعار، والتدني الكبير في الخدمات العامة من كهرباء وماء... إلخ.

أعتقد أن هذا الخيار هو ما تتبنّاه الولايات المتحدة، ممثلة في يدها الطولى السيدة استيفاني ويليامز التي صارت نائباً للمبعوث الأممي، وظهر ما يشير إلى أنها فاعلة في إدارة الأزمة ووضع الأسس تمهيداً لحلها أو التخفيف من حدّتها.

هناك توافق بين الولايات والمتحدة وإيطاليا على تخطي خيار الانتخابات، وهناك مؤشّرات على اتجاه ويليامز إلى المقاربة التوافقيّة، وحراكها كشف عن اهتمام أكبر بالتهدئة ومعالجة الوضع الإنساني والمعيشي الصعب.

وعلى هذا الأساس، فليس من المُستبعد أن يتم الإعلان عن خُطة جديدة للبعثة الأمميّة تتأسّس على التفاوض بهدف إعادة تشكيل سلطة تنفيذيّة واحدة، ودمج المؤسسات السياديّة المنقسمة، وتعيين حكومة مصغّرة قادرة على معالجة التحديّات الاقتصاديّة والخدميّة والأمنيّة، ثم الشروع في الترتيب للانتخابات مع نهاية العام القادم.

نقلاً عن موقع «عربي21»