بقلم - علي حسين باكير:

شهد الأسبوع الماضي ثلاثة أحداث تستحق أن تذكر ليس لناحية مضمونها فقط وإنما لناحية دلالاتها أيضا وهذا هو الأهم بالنسبة لنا في سياق المقال هذا. الحدث الأوّل هو الانفجار الذي هزّ العاصمة الصوماليّة مقديشو وأدى إلى مقتل أكثر من 300 إنسان وجرح ما يزيد عن مئتين في هجوم إرهابي هو الأضخم من نوعه على الإطلاق في المنطقة والعالم منذ سنوات.

أمّا الحدث الثاني فيتعلّق بالاستفتاء الذي أجراه إقليم كاتالونيا في إسبانيا وموقف الاتحاد الأوروبي منه ومما استتبعه من خطوات أعلنتها الحكومة الإسبانية باستخدام المادة 155 من الدستور التي تجرّد الإقليم ومؤسساته وقادته من أي صلاحيات مستقلة بمعزل عن الحكومة الإسبانية.

وبخصوص الحدث الثالث، فهو مرتبط بدخول قوات سوريا الديمقراطيّة التي تشكّل ميليشيات «بي واي دي/‏ واي بي جي» الكرديّة عمادها إلى الرقّة وإعلان تحريرها بالكامل من سيطرة تنظيم «داعش» ورفع أعلام وشعارات الميليشيات الكردية في ميدان الرقّة مع إقامة استعراض للقوّة تضمّن رفع صورة ضخمة لعبدالله أوجلان زعيم حزب العمّال الكردستاني المصنّف إرهابياً في جميع دول حلف شمال الأطلسي، إعلان الميليشيات الكرديّة إهداء «انتصاراها» هذا إلى قائدها أوجلان.

هذه الأحداث الثلاثة التي وقعت تقريباً بشكل متزامن في أماكن مختلفة تعكس صورة واضحة جداً عن المعايير المزدوجة المتجذّرة في السلوك الغربي تجاه شعوب المنطقة. بمعزل عن أنظمة الشرق الأوسط السيئة الذكر، فإن الشعوب في الغالب الأعم تعبت من هذه الازدواجيّة خاصة عندما تأتي مقترنة بمحاضرات عن القيم والأخلاق والمعايير والضوابط والكثير من الفوقيّة القيميّة التي تصل حد الغطرسة والعجرفة.

إن الحديث عن تساوي القيمة الإنسانية للفرد بمعناها المجرد في أي مكان يفترض أن يكون التضامن مع الأبرياء من الناس في أي مكان في العالم هو ذاته. بالكاد سمعنا عن تضامن مع الصوماليين في الفاجعة التي أصابتهم. قد لا تكون مشكلة الصوماليين بحد ذاتها غربية المنشأ وهذا قابل للنقاش، لكن فلننظر كيف يُطلب من العالم التصرف -أو ربما يفرض عليه التصرف- عندما يسقط أبرياء في أي بلد غربي ولنقارن ذلك بردّة فعل الغرب عندما تموت الناس بالمئات في تفجير واحد في أي من دول المنطقة.

لا أعلم ما هي المبررات التي قد يستخدمها البعض لتجاهل ما حصل في الصومال. لكن ماذا عن الواقعة الأخرى؟ الدول الغربية في العموم لا تتوقف عن التدخل في البلدان الأخرى أو المستعمرات السابقة بحجّة حماية «حقوق الأقليات» وحماية «الطوائف» وحماية «الأقوام» وحماية «الديانات» وتحديد معايير وأشكال ومضامين أنظمة الحكم. وقد درجت في الآونة الأخيرة ما يمكن تسميته بـ «موضة الفيدرالية» و«اللامركزية» لكن عندما يتعلق الأمر بها مرّة أخرى لا نرى إلا ما يتناقض مع ما يروّجون له من مبادئ.

تغطية الصحافة الغربية للاستفتاء الذي جرى في إقليم كردستان العراق كانت غير مسبوقة. الغالبية العظمة منها منحاز تماماً إلى خيارات سلطات الإقليم، وإذا ما قارنا هذه التغطية بتغطية نفس المصادر الإعلامية والصحفية للاستفتاء المتعلق بكاتالونيا سنرى فرقاً شاسعاً، ناهيك عن المواقف الرسمية المتضادة تماماً.

لست في معرض إبداء الرأي عن تأييد أو معارضة هذا النوع من الاستفتاءات على الانفصال سواء في العراق أو في إسبانيا لكن المقصود تسليط الضوء على ازدواجية المعايير. بالأمس أعلن الاتحاد الأوروبي عن دعمه لحكومة إسبانيا. الموقف الألماني والفرنسي بالتحديد كان الأشد في معارضة انفصال إقليم كاتالونيا، ولم يعلّق أحد من الغربيين طبعا على سلوك الشرطة الإسبانية أو على الطريقة التي تصرّفوا بها إزاء المدنيين من المواطنين الإسبان في كاتالونيا.

المسوّغات حاضرة دوماً، الخوف من تفكك الاتحاد الأوروبي، الخوف من تفكك الدول الأوروبية، التخوّف من انهيار اقتصادي، التخوّف من موجات من الشعوبية والتطرّف القومي، وكأن هذه المخاوف حكر عيهم وليس لدينا أيّ منها، لكن القباحة في الكيل بمكاييل مختلفة لا يمكن إخفاؤها مهما حاول البعض إظهارها بمظهر جميل التسويق لها بطريق منطقيّة.

الإرهاب عندهم هو ممارسة العنف غير المشروع المرتبط بمسلمين حصراً. بعضهم يذهب أبعد من ذلك بكثير ليربطه بالإسلام كدين. بالأمس رفعت الميليشيات الكرديّة المدعومة غربياً -لاسيما من الجانب الأمريكي- صور رجل غير سوري في قلب الرقّة. عبدالله أوجلان مصنّف من قبل الغربيين أنفسهم على أنه زعيم لجماعة إرهابية اسمها حزب العمّال الكردستاني. بالرغم من ذلك، لا مشكلة لدى الغربيين في دعم إرهاب ضد إرهاب آخر، فهم في نهاية المطاف من يحدد أو يعيد تحديد أو تجديد هوية وانتماءات المجموعات وأدوارها، وعمّا إذا كانت إرهابية أو لا، وفي أي زمان ومكان.

من السهل أن تعظ الآخرين عندما تكون قويّاً، ومن الأسهل التمسّك بقيم عندما تشعر أن المصلحة تقتضي ذلك أو أن لا ضرر منها، لكن ما أن يدب الوهن بك حتى تظهر الصورة الحقيقية.

 

نقلا عن موقع «عربي 21»