بقلم : سامي كمال الدين (إعلامي مصري) ..
عام 2010 عاد محمد البرادعي إلى مصر لتتلاقى رغباته مع رغبات الشعب المصري، في الخلاص من حكم حسني مبارك، وتلاقت أيضاً مع رغبات الجيش المصري، الذي وجد ثورة 25 يناير فرصة عظيمة للخلاص من رجالات مبارك والدولة العميقة.

ثم تلاقت بعد ذلك رغبات الجيش مع البرادعي، ثم تقاطعت ثم تواصلت، واكتملت الرغبة في التمهيد للانقلاب العسكري، الذي رآه البرادعي والنخبة بأنه حلم التغيير، فكان طريق التدمير!

عام 2010 رأت الأطياف المصرية أن د.محمد البرادعي هو الحل والمنقذ لمصر، لكني أرى الآن أن هناك خطة وضعها الجيش المصري تعني أن البرادعي هو الحل بالنسبة لهم.

أظن أن المؤسسة العسكرية سوف تستعين بالبرادعي في الفترة المقبلة ليلعب دور المشاركة في الحكم العسكري الذي يرتدي ثياباً مدنيّة، فالجيش في وضع حرج الآن، وطريقه ممتلئ بأشواك السياسة، وسيطرة ديكتاتور جاهل على مقاليد الحكم في مصر، لا يفقه شيئاً في بناء الدولة ولا في إنقاذ مصر من عثرتها الكبيرة، التي ستكون طويلة إذا استمرّ على سدة حكمها.

عاد البرادعي هذه الأيام ليكتب بشكل مباشر عن الشراكة في بناء وطن والعمل المؤسسي «الإصلاح السياسي والمؤسسي بما يتضمنه من فصل السلطات واستقلال القضاء وحرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية ونزاهة الانتخابات وإشراف الشعب عن طريق نوابه على موازنة الدولة كاملة وأداء الحكومة، هو الضامن لتمكين أي حكومة من أن تحقق طموحات المصريين»، وهي الرؤية التي طرحها قبل ذلك، وعاد لنشرها مرة أخرى وهي عبارة عن مشروع رؤية اقتصادية واجتماعية تمّ إعداده في بداية الثورة من قبل مجموعة من علماء مصر وشبابها، وأرسل في 2012 إلى رئيس وزراء مصر آنذاك الدكتور الجنزوري كما تمت الإشارة إليه في رؤية مصر 2030.

مرّ أكثر من عامين على ثورة 25 يناير وما زلنا بعيدين كل البعد عن تحقيق أهدافنا من العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، بل على النقيض يمر الوطن الآن بحالة من الاستقطاب السياسي والتدهور الاقتصادي الشديدين.

أكد البرادعي في مقدمته أن هذا المشروع يقدّم رؤية شاملة لمستقبل مصر، ويحتوي على خطط تنفيذية لأهم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

الحقيقة أن المشروع به العديد من الرؤى لبناء الدولة المصرية، بعد دخولها في عصر الانحطاط في عهد السيسي، لكن المشروع فيه العديد من التساؤلات، التي ستكون محل مقال آخر، فالمعلومات التي لديّ الآن أن هناك إعداداً لعودة البرادعي إلى مصر من قبل المؤسسة العسكرية. قد تكون هذه المعلومات غير دقيقة، لكن ولنفترض جدلاً أنها دقيقة، فما الذي يهدف إليه الجيش المصري، وهل ينتوي الخروج من المشهد السياسي، وتسليم مصر إلى الحكم المدني.

لا أظن ذلك، ولن يخرج الجيش من الحكم برغبة شخصية من القيادات الحالية، التي ترى أن خروجها من السياسة سيبعد سطوتها عن اقتصاد مصر ومشروعاتها الكبرى التي تُدار من خلاله.

لكن جيش مصر يخسر الكثير بسبب تداخله في الحكم في مصر، الجيش الذي يعد من أهم الجيوش العربية، وقد تقزّم دوره ولم يعد كما كان، بل إن السيسي حمل على كاهله الكثير من الآثام والجرائم التي لن يغفرها له التاريخ، وهي نفس الآثام أيضاً التي يتحملها د.محمد البرادعي، سواء في تمهيده للانقلاب، ومشاركته كنائب لهذا الديكتاتور والقضاء على تجربة الحكم المدني.

لكن المدهش أن جماعة الإخوان التي شاركت في عشرات المبادرات والبيانات والتصريحات عقب الانقلاب العسكري، وتوافقت مع عدد كبير من الأشخاص، ولم تستطع كل هذه المبادرات إحداث أي تغيير في المشهد السياسي، بل زادت الوضع تعقيداً، لكنها لم تخرج مبادرات مع البرادعي أو تتوافق معه، وليس لديّ معلومة مؤكدة من فيهما يرفض الآخر؟!

لكن أظنّ أن استدعاء الجيش للبرادعي الذي يحرص على مشاركة الجميع في المشهد «التوافق الوطني يعني نضج وشجاعة كافة فصائل المجتمع بدون استثناء على الحوار معاً لتصفية الخلافات والاتفاق على بناء ديمقراطي حقيقي يضمن الحرية والكرامة لكل إنسان».

التوافق الوطني هو مفتاح الاستقرار ولا تقدّم في أي مجال بدونه. يجب أن نفهم هذا كما فهم غيرنا ونتوقف عن الدوران في حلقة مفرغة،وقد فصلت في المقالين السابقين «أفول المعارضة في الخارج» عن عدم مقدرة المعارضة في الخارج على التوصّل إلى توافق وطني والاصطفاف مع بعضها بعضاً، ظهر 12 كياناً، وخرج 74 بياناً، وعقد 20 مؤتمراً، والحصيلة صفر كبير، يشبه صفر المونديال الذي حصلنا عليه حين قرّرنا تنظيم كأس العالم..!

لذا لا تضعها المؤسسة العسكرية في حسابها، حتى في مبادرة السفير معصوم مرزوق الأخيرة بدأ التناحر حولها، ومع دعمي لأي مبادرة تسقط السيسي، وتقديري لأي شخص يعارض النظام من داخل مصر، إلا أنها لن تنتهي إلى شيء، وستكون مثل سابقاتها،فالسفير مرزوق رجل يؤمن بالديمقراطية في مواجهة رجل لا يؤمن إلا بالدبابة، لكن هل تأخذ المؤسسة العسكرية هذه المبادرة كتمهيد لعودة البرادعي إلى المشهد وتفتح ميدان التحرير للشعب؟!

تساؤلات عديدة من يقرّر فيها الجيش وليس الشعب، لأننا لسنا إزاء عمل ثوري، لكن أمام عمل سياسي يشبه تجربة تركيا وأربكان، فلا الإخوان ولا النخبة ولا شباب الثورة ولا النخبة المصرية يملكون الآن القيام بعمل ثوري، لكن قد تمر مصر بعمل ثوري حقيقي وجاد ذات يوم، وقد تفرز تجربتها المقبلة شخصية تستطيع إخراج الجيش من الحكم كما حدث في تركيا وباكستان.

لست مع العمل السياسي وأؤمن بالعمل الثوري لكني أراه بعيداً في ظل الدبابة الجاثمة على الشعب المصري، ولعلّ الله يحدث أمراً يغيّر ما نراه، فهو الأعلم، وهو العليّ القدير.
  
samykamaleldeen@