بقلم / سامي كمال الدين - إعلامي مصري :

مثل تاجر دين عتيد، تمرس على استخدام لحيته وزبيبة صلاته في ممارسة أحط الرذائل استطاع عبد الفتاح السيسي أن ينفذ إلى عقل وقلب الرئيس مرسي ويتربع فيهما. السيسي يصلي، نعم الرجل يصلي، لكن نسكه وصلاته ومحياه لرب العالمين، لا دخل لي في علاقته بربه، ولا مقالي هذا محل نقاش علاقة السيسي بربه، ولا علاقة غيره بربه، لست عليهم بمسيطر، ولا دخل لي، ولا أملك ميزان الثواب والعقاب، لكنه عن علاقة السيسي بمرسي والإخوان باستخدام تدينه لحبك خطته الموضوعة مسبقاً مع بعض أفراد من المخابرات الحربية والموساد لنصل إلى هذه اللحظة الراهنة. روى لنا واحد من أهم علماء الإخوان والعالم الإسلامي، في وجود عدد كبير من الشخصيات السياسية والدينية والإعلامية، حيث جمعنا لقاء في بيته لمناسبة ما، بأنه أخبر الرئيس مرسي بعدم الراحة من تعابير وجه السيسي ووزير الداخلية محمد إبراهيم، أثناء إلقاء مرسي بعض خطبه المذاعة في وجودهما، فقال له مرسي بأن عليه ألا يقلق فالأمور عادية، والسيسي رجل ملتزم دينياً وعلى العهد..! وأضاف الرئيس مرسي: حين يأتي السيسي للقصر الجمهوري يستأذن مني في الاتصال بهاتف بيته، مهاتفاً زوجته ليسألها: هل صلى الأولاد؟ ثم يرتفع صوته قائلاً لها: لماذا لم يصلوا في المسجد.. لماذا تركتهم يصلون في البيت»؟! لم يكن هذا قمة الدراما ، بل إن الرئيس مرسي أخبره، بأن السيسي طلب منه أن يستأذن السيدة زوجته أم أحمد لكي تذهب إليها زوجة السيسي لتعطيها دروساً دينية! والله حي السيسي جاي.. يبدو أن السيسي ظن أن جماعة الإخوان لا تعرف أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بأننا إذا شهدنا الرجل يعتاد المساجد فلنشهد له بالإيمان، ضعيف وبلا سند، فحاول تطبيقه معهم، لكن وإن صدّق الإخوان تدينه، فهو لا يدل على خبرته السياسية، ولا على مقدرته في الحفاظ على الشرعية التي أؤتمن عليها، بقسم أمام العالمين، ولا على إحاطته بالهندسة العسكرية. وقبل أن يأخذنا الحديث إلى مواضع شتى، فلنركز هنا على تلك العلاقة الفريدة في المؤسسات السيادية في مصر، التي تهتم بالشكل على حساب الجوهر، وعلى أهل الثقة على حساب الخبرة وأهلها، ومن هنا سلك السيسي المسلك الذي رآه صحيحاً؛ للدخول وسط الإخوان، والتغلغل داخل التنظيم، مثل جاسوس زرع وسط دولة من دولة معادية. لم يقف السيسي عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى أكثر من ذلك بكثير، فحسب رواية واحد من الإخوان أن السيسي التقى بالفعل الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، وبايعه، لم يؤكد لنا هل بايعه على المصحف والسيف أم بيعة هكذا، أو أوحى لهم بأنه سيحافظ على الجماعة والدعوة. ربما ليس ببعيد أن يكون السيسي قد قرأ على فضيلة المرشد رسائل الإمام البنا..! بالتأكيد لم يقم السيسي بانقلابه من خلال التدين الكاذب، لكنه كان إحدى الخطوات الهامة ليكون بجوار الرئيس مرسي وقيادات جماعة الإخوان، يثقون فيه ويأتمنونه على أسرارهم، ربما سوى د. محمد البلتاجي الذي لم يكن مستريحاً للسيسي، بل كان بكاء السيسي في الصلاة جماعة مع مرسي والإخوان، مشهداً من مشاهد الدراما التي حبكها بعناية فائقة وبز فيها، «حاجة كده مثل بكاء السديس في الحرم»، دموع انهمرت من خشية الله في المسجد، وأيدت صاحب اليد المسلطة على رقاب العباد والبلاد، ليعين نفسه ظلاً لله في الأرض، يذل من يشاء ويقتل من يشاء، ويعتقل في الريتز من يشاء، والسديس من خلفه يؤيد ويبرر ويصدق على الظلم، وربما يبكي أيضاً. الحديث فرّ منا إلى بلد آخر، فلنعد إلى سيسينا، أو الشيخ العلامة الفقيه عبد الفتاح السيسي، الذي أدرك جيداً مفاتيح السيطرة على عام حكم الدكتور مرسي، تارة بالبكاء في الصلاة، وتارة بنهر أولاده لعدم الصلاة في المسجد، وأخرى لإرسال زوجته لتتعلم الدين من زوجة الرئيس مرسي! ثم بالتنسيق مع المخابرات العامة بتضليل رئيس الدولة بمعلومات كاذبة، حسب تصريح وكيل المخابرات بأنهم لم يمنحوا مرسي معلومة واحدة صحيحة. ثم بالحرص على التأكيد للرئيس بأن البرادعي وحمدين وعمرو موسى والعلمانيين يديرون مؤامرة على الشرعية، وهم من يحرّضون شباب حركة تمرد، ويقفون خلفهم، ويحث الرئيس مرسي - في دراما عظيمة- على أنه يستطيع أن يعلقهم على المشانق في ميدان التحرير، فيجيبه مرسي إني أخاف الله. ثم يقود رجاله لدعم تمرد وتهيئة كل الأجواء، وتوفير ملايين الدولارات من الإمارات لهم، وقبلهم للقنوات الفضائية المصرية، للتحريض ضد مرسي، وحرق ذاكرة الشعب المصري ضده، وهو ما ذكرني بتحقيق صحفي أجريته لمجلة « سطور» عام 2003 عن كيفية محاولة الإسرائيليين تشويه سمعة إدوارد سعيد، وحرق ذاكرة الشعوب، وهي طريقة متبعة في العديد من دول العالم، وضعت للسيسي ونفذها بجدارة، فمنهم من لعب على البسطاء - توفيق عكاشة- ومنهم من لعب على الطبقة المخملية - باسم يوسف- ومنهم من اتبع الصراخ والتخويف - أحمد موسى- ومنهم من استدعى نخب ووزراء 1952 وعهد السادات مثل عبد العزيز حجازي ومحمد حسنين هيكل ومفيد فوزي ونوال السعداوي.

ساندت الدولة العميقة السيسي في مخططه برجال أعمالها ومالها وقياداتها العتيدة، وما إن مر عام كامل على أول رئيس مدني منتخب، حتى كانت شعبيته في درجة دنيا، من خلال إعلام مزيف، وافتعال أزمات البترول والكهرباء والماء، مع استمرار العمليات الإرهابية في سيناء، وعدم مقدرة الرئيس على حلها أو معالجتها بشكل سليم، مع تكاتف أمريكي سعودي إماراتي، من خلال ضخ المليارات في الغرب والشرق لتنفيذ المخطط الذي أشرفت عليه إسرائيل، وتم استخدام أغلب القوى المدنية فيه وقيادات الجيش ومعهم الإخوان، لنصل إلى مرحلة 2013-7-3 التي نعيش ذكراها الأليمة الآن، وبعد سنوات خمس ما زال الذين أوصلونا لهذه النهاية المأساوية، في تناحر وشقاق، وتحميل بعضهم البعض الجرم، والقاتل يضع قدماً على قدم، وتعلو شدقيه ابتسامة بلهاء، فاستمروا في تناحركم، مع أن من بدأ المأساة ينهيها، ومن أشعل النيران يطفئها كما قال نزار قباني على لسان السيدة نجاة، لكن يبدو أن هناك من يفيده بقاء السيسي على ما هو عليه، واستمرار هذا الوضع البائس، ومحبب إليه استمراره، ويبدو أن علينا الانتظار حتى يأتي جيل جديد مثلما جاء جيل يناير لينقذ مصر، وتتعافى من جرحها.

 

 

@samykamaleldeen