بقلم - ممدوح محمد الشمسي :

موقف عجيب يرصده لنا الصحابي الجليل سيدنا سهل بن سعد، فيروي ـ رضي الله عنه ـ : (أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُتِيَ بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا، والله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، قال: فتلَّه (وضعه في يده) رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) ( رواه البخاري ) .

إن ذلك الموقف يؤكد على أهمية غرس تقدير الذات في نفوس أبنائنا، فذلكم نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم يؤكد على إعطاء الطفل حقه، ليشعره بقيمته في الحياة، ويعوده على الشجاعة في أدب، ويؤهله مستقبلاً أن يعرف حقه ويطلبه ولا يتعداه، ومن ثم يحافظ على حقوق الآخرين، وكذلك يعلو تقديره لذاته وثقته الإيجابية في نفسه .

ومن الوسائل المهمة لبناء الثقة في نفوس أبنائنا: التعبير عن الحب بشكل غير مشروط وسخيّ، فالطفل يحتاج الحنان والعناق، وترك مساحة كافية له للتعبير عن مشاعره، والاستماع له باهتمام، وكذلك الابتعاد التام عن الايحاءات السلبيّة والجمل الهدّامة التي يُلقي بها الآباء على أبنائهم دون المعرفة بمقدار الأذى النفسيّ الذي تُسببه هذه الكلمات، فينتج عنها تشويه الطفل لصورته عن ذاته، فهو يُصدّق كل ما يُقال له، بل إنه سيُخاطب نفسه بنفس الطريقة التي يُخاطبه بها أبواه، وعند تعرّضه لمشكلةٍ ما يرى نفسه غير كفء لمحاولة حلّها، وتنحدر ثقته بقدراته، فتُسيطر عليه التعابير السلبيّة المليئة بالاستسلام، مثل: (لا أستطيع، وغير قادر، وأخاف من.. ) لتتبعُها حالة من العجز الذاتيّ.

ومن المهم انتقاد السلوكيّات غير المرغوب بها الصادرة عن الطفل، وليس انتقاد الطفل نفسه، ومن الجميل حرص بعض الآباء على دفع الطفل للاختيار واتخاذ قراراته بنفسه، كالألعاب التي يرغب باللعب بها، أو بملابسه التي سيرتديها .

وينبغي التأكيد على أهمية مدح الطفل وجهوده التي يقوم بها، ويجدر بنا الابتعاد عن المقارنة بين الطفل وأقرانه؛ لما في ذلك من بث الاتّجاهات السلبيّة للطفل تجاه نفسه، وأنه غير قادر على مُجاراة أصدقائه أو إخوته، وأنّه ليس به ما يُميّزه عن غيره، بل يجب التّركيز على ما يُميّز الطفل وإشعاره بذلك، وتشجيع الطفل لإبداء رأيه في قضيّة مُعيّنة تخصُّه أو تخصّ أسرته، مع إتاحة الفرصة له بتحمّل بعض المسؤوليّات الصغيرة للاعتماد على ذاته، مع التحفيز المُستمرّ لجميع التّجارب الناجحة له، وتجاهل المُحاولات الفاشلة في أيّ مهارة يقوم بها.

فما أحوج أوطاننا إلى جيل يقدر ذاته، ويعرف قيمته، وعظمة دوره في هذه الحياة!