• تسيمرر: البرلمان الألماني يمارس ازدواجية المعايير

 


برلين - سمير عواد:
يُقال دائماً إن الهدم أسهل من البناء، وهذا ينطبق الآن على الخطوة الاستفزازية التي قام بها البرلمان الألماني "بوندستاج" مؤخراً، عندما أصدر قراراً مثيراً للجدل، جاء فيه أن البرلمان الألماني يعتبر أعمال القتل التي وقعت في عام 1915 إبان العهد العثماني، ضد جماعات من الأرمن، حرب إبادة، وهي خطوة سابقة من نوعها، ولأهداف سياسية، سعى لها سياسيون خصوم لتركيا ولرئيسها رجب طيب أردوغان، ولا يخفي بعض المراقبين حقيقة أن اختيار توقيت إعلان القرار، يأتي في مرحلة حساسة على مسار العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي عامة وبين تركيا وألمانيا خاصة.

وبحسب المؤرخ الألماني يورجن تسيمرر، كان ينبغي على البرلمان الألماني أن يشير إلى حروب الإبادة التي قامت بها ألمانيا في عهد القيصر في إفريقيا، قبل أن تتهم الآخرين بارتكاب جرائم حرب.

تعكير صفو العلاقات
وتجدر الإشارة إلى أن القرار قد صدر رغم تحذير أعضاء البرلمان الألماني، من العواقب السياسية، التي سوف تنعكس على علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي عامة وألمانيا خاصة، وسط تكهنات بأن القرار عبارة عن حجر عثرة جديد وضعه الأوروبيون في طريق تركيا للحصول على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، لاسيما أن توقيت إعلانه، تمّ في المرحلة التي طلبت فيها أنقرة من الاتحاد الأوروبي، إعفاء رعاياها من تأشيرة دخول أراضيها، مقابل ما تقوم به تركيا من تدابير ناجحة أدت مؤخراً إلى انخفاض واضح في عدد اللاجئين الذين يلجأون إلى أوروبا انطلاقاً من السواحل التركية، بطرق غير مشروعة.

فقد حذّرت الجالية التركية في ألمانيا، وهي أكبر جالية أجنبية في العالم، من إعلان القرار، معتبرة أنه عبارة عن عرض سياسي، سوف تكون له نتائج سلبية على العلاقات الصعبة بين تركيا وألمانيا.

يعرقل مفاوضات تركيا والاتحاد الأوروبي
وقال جوكاي سوفوجلو، رئيس الجالية التركية التي يزيد عدد أبنائها على أربعة ملايين مهاجر تركي، يشكلون أيضاً أعلى نسبة من المسلمين في ألمانيا (3 ملايين مسلم تركي): لن يكون هناك أي معنى للقراربالنسبة للأتراك والأرمن على حد سواء، لكنه سيكون محاولة أيضاً لتعكير صفو العلاقات بين الأتراك الذين يقيمون في ألمانيا، وبين الألمان، ومن جهة أخرى سوف يعرقل المفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوروبي حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، علاوة على أن التعاون لحل أزمة اللاجئين وأسباب فرارهم من بلدانهم، سوف يصبح صعباً أكثر من السابق، بمعنى أصح، أن الاتفاقية أصبحت مهددة بالفشل.

وحاولت المستشارة الألمانية، ونائبها وزير الاقتصاد والطاقة ورئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، زيجمار جابرييل، ووزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، تخفيف حدة الخسائر السياسية لألمانيا قدر المستطاع، عندما تغيبوا عن الجلسة، بداعي انشغالهم بمواعيد سابقة، إلا أن الأحزاب التي ينتمون إليها، كانت قد قررت تأييد الإعلان، دون أن يعترض أي منهم، وبذلك تجاهلوا التحذير الذي وجهه الرئيس التركي إلى ألمانيا عندما قال إنه سوف يُسفر عن تعكير صفو العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية والعسكرية بين البلدين. كما وصف بن علي يلدريم، رئيس الحكومة التركية الجديد، القرار بأنه "نكتة سخيفة"، وقالت أوساط إعلامية ألمانية إن المسؤولين التركيين أجريا اتصالين هاتفيين مع ميركل.

وأشيع في برلين أن أردوغان أعرب عن أسفه لأن ميركل وعدته بالعمل من أجل منع صدور القرار بشأن أرمينيا، وتساءل الرئيس التركي كيف يمكن الثقة بالمسؤولين الألمان بعد اليوم عندما يصدرون الوعود وراء أبواب مغلقة ويفشلون لاحقاً في تحقيقها.

 ميركل تغيّر موقفها
وبرأي المراقبين، فإن العلاقات التركية الألمانية، لم تصل إلى هذا المستوى من التوتر، مثل الذي تشهده منذ بداية العام الجاري، وبعد مرحلة من الخطوات الإيجابية التي قام بها البلدان لإزاحة العراقيل وحل الخلافات القائمة، وبعد أن بدأت ميركل تغير موقفها تجاه تركيا، بعدما كانت أيام وجودها في المعارضة منذ عام 1998، تعارض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، أجبرتها أزمة اللاجئين، وما أسفرت عنه من دخول أكثر من مليون لاجئ أراضي ألمانيا، الأمر الذي يعتبره الكثيرون كان مساهمة منها في إثارة غضب المواطنين الألمان، وارتفاع شعبية حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي، الذي استغل الغضب الألماني تجاه اللاجئين واستطاع أن يدخل برلمانات ثلاث ولايات، وتحول إلى ثالث أكبر حزب في ألمانيا، سعى اللوبي المعارض للتقارب التركي الألماني، خاصة الأتراك الأكراد والعلويين منهم ومعارضين للرئيس التركي، وبينهم أعضاء في البرلمان الألماني، إلى تعكير صفو هذه العلاقات، من خلال استفزاز القيادة التركية وتحميلها مسؤولية كل مشكلة تحصل في تركيا وحولها خاصة سوريا المنهارة.

تحالف خصوم أردوغان
كما سخرت وسائل إعلامية ألمانية، خاصة المؤيدة لإسرائيل، نفسها في إطار حملة، أدّت إلى إشاعة أجواء في ألمانيا وأوروبا، تشوّه صورة الرئيس التركي وحكومته، بمعنى أوضح، أن أصدقاء إسرائيل وحزب العمال الكردي المحظور وخصوم أردوغان، أقاموا تحالفاً لنسف التقارب الجديد بين أردوغان وميركل، آخذين بعين الاعتبار أن ذلك شكل ضرراً للمستقبل السياسي للمستشارة الألمانية.

معيار مزدوج
واتهم المؤرخ الألماني يورجن تسيمرر، الذي يرأس الرابطة الدولية لأبحاث حرب الإبادة، البرلمان الألماني، باتباع المعيار المزدوج عندما أعلن أن الأرمن تعرضوا إلى حرب إبادة، وأشار إلى الجرائم التي قام بها الألمان إبان عهد القيصر الألماني في المناطق الواقعة في جنوب غرب إفريقيا تحت سيطرة الاستعمار الألماني، واستهدفت إبادة شعبي "هيريرو" و"ناما" في ناميبيا اليوم، وذلك قبل أحد عشر عاماً على المجازر التي تعرض لها الأرمن، وتساءل المؤرخ الألماني: لماذا لا يملك البرلمان الألماني الشجاعة ليعترف بذنب ألمانيا حيال حرب الإبادة ضد هذين الشعبين؟
وطلب تسيمرر من البرلمان الألماني العمل في مناقشة حقبة الاستعمار الألماني في إفريقيا واتخاذ القرار المناسب بشأنها، وإلا فإن البرلمان الألماني، يوحي بأنه يمارس سياسة المعيار المزدوج، أي أنه يرى العيب في غيره ويخفي عيوبه الكثيرة.

فضيحة سياسية
ومن النتائج الأخرى لانقلاب السحر على الساحر، أن وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير لاين، بدأت تشعر بالقلق بعد الفضيحة السياسية التي قام بها البرلمان من أن تنتقم تركيا، وتلغي تعاونها مع ألمانيا وحلف شمال الأطلسي " ناتو"، خاصة أن ألمانيا أرسلت مؤخراً بضع طائرات من نوع "تورنادو" إلى قاعدة "أنجرليك" الجوية التركية القريبة من الحدود مع سوريا والعراق، وذلك في إطار مشاركة ألمانيا في الحرب ضد "داعش"، كما تجول سفن حربية تابعة للناتو وطائرات استطلاع، بحر "إيجه" الفاصل بين تركيا واليونان، لمكافحة عمليات تهريب البشر. وتخشى الحكومة الألمانية أن تعتبر أنقرة القوات الألمانية الموجودة في تركيا، غير مرغوب بها، وتطلب منها العودة إلى من حيث أتت.