بقلم : جهاد فاضل ..
كثيرا ما يُطلق الباحثون على الدكتور محمد مندور صفة "مؤسس النقد المعاصر" أو الحديث في مصر، مع علمهم بالطبع بأنه قبل محمد مندور كان هناك نقاد كثيرون منهم نقاد من علية القوم مثل طه حسين وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبدالقارد المازني وعبدالرحمن شكري وزكي مبارك، ولكن بنظر هؤلاء الباحثين، لا يرقى هؤلاء النقاد إلى مصاف النقاد بالمعنى العلمي للكلمة. لقد كانوا نقادا انطباعيين أو تأثيريين لا يُعملون المناهج العصرية كما كانوا مثقفين ثقافة عربية، أو ثقافة عربية وأجنبية جيدة، ويصدرون في قراءاتهم لما يتناولونه من كتب عن أثر هذه الثقافة في نفوسهم، وأيضا عن أذواقهم الذاتية وأذكر أني سألت مرة الناقد الدكتور شكري عياد عن "نقد" هؤلاء النقاد، وعما إذا كان محمد مندور برأيه هو مؤسس النقد المعاصر أو الحديث في مصر فقال لي: هو بالفعل كذلك، أما طه حسين فقد كان مجرد بلبل أدبي يطربنا بنغماته، ولكنها مجرد نغمات وانطباعات وملاحظات لا أكثر ولا أقل، وإذا كان هذا هو حال طه حسين بنظر تلميذه شكري عياد فما بالك بالآخرين الذين كان نقدهم نقدا تأثريا أو انطباعيا في الأعم الأغلب؟

أتى محمد مندور إلى ساحة النقد في مصر والعالم العربي ومعه منهج أو مناهج نقدية حديثة توسلها في عمله. لم يكن له منهج نقدي واحد، وإنما تنقل بين عدة مناهج كان من أبرزها في سنواته الأخيرة المنهج الاجتماعي الذي كان سائدا في تلك المرحلة وبخاصة لدى النقاد اليساريين وهو المنهج الذي استخدمه أيضا محمود أمين العالم في مصر وقد جمع محمد مندور في شخصه بين الناقد النظري والناقد التطبيقي فصدرت له على مدى سنوات طويلة دراسات كثيرة نقلت النقد العربي من حال إلى حال حتى بات مع الوقت أبرز ناقد أدبي في مصر، ويضم الكتاب الذي نعرض له في هذا المقال، وقد صدر حديثا عن "نهضة مصر" بعنوان (معارك أدبية) مقالات شتى من النتاج الذي أصدره مندور في مرحلة أدبية مبكرة نسبيا من حياته إذ نفهم من بعض هذه المقالات أن العقاد كان لا يزال يمارس سطوته ونفوذه الهائلين في تلك الفترة وأن رشاد رشدي كان أيضا من رموز تلك المرحلة وقد اختفى بعد ذلك كما أن صلاح عبدالصبور ومعه حجازي كانا من شعراء مصر الشبان.

وعلى الرغم من مرور الزمن النسبي على مقالات مندور هذه ومن كونها لا تمثل نماذج من نقده الآخر الذي بلغ به مراتب عالية وعلى أساسه وصف "بمؤسس النقد المعاصر" أو الحديث في مصر فإن في هذه المقالات ملاحظات في غاية النضج والدقة، وتقدم صورة وافية للحياة الأدبية في الساحة المصرية يومذاك، كما تقدم صورة وافية عن مندور بالذات تفيد الباحثين في المقارنة بين مراحله النقدية المختلفة، ونعرض فيما يلي لنماذج من ملاحظات مندور في "معاركه الأدبية".

كان محمد مندوب زمن دراسته في جامعة القاهرة الآن (جامعة فؤاد الأول حتى نهاية الأربعينيات) تلميذا لطه حسين وفي سيرة مندور أن طه حسين هو الذي حرضه على الانصراف إلى الأدب ورتب له عملية بعثته إلى فرنسا للدراسة فيها على حساب الحكومة المصرية ومع أن علاقته بطه حسين عرفت بعد عودته من فرنسا إلى مصر الكثير من الفتور إلا أنه في بعض ما ورد في هذا الكتاب يشيد بأستاذه ويقول إنه أخذ عنه الكثير.. ماذا أخذ؟ يقول إنه أخذ عنه "التحرر الفكري والثقة بالنفس" يقول: كنت أشفق عليه من ثقته العميقة بنفسه وهو يحاضر مئات المستمعين في محاضراته العامة دون أن يستعين بنص مكتوب أو تخطيط تحريري مدون، وعندما كان ينطلق في محاضرته بأسلوبه الموسيقي المنغم كنت أشعر بشيء كثير من الإشفاق، وأود لو استطعت مساعدته على نحو ما يطمع الطفل في مساندة أبيه القوي القادر، وفي نهاية كل محاضرة كنت أستشعر في نفسي معنى عميقا للثقة بها والاطمئنان إلى قدرتها على نحو يثبت معه الجنان ويستقيم اللسان في غير توقف ولا تعثر، وكان هذا أول وأهم درس أخلاقي تعلمته عن طه حسين.

أما الدرس الثاني الذي تلقاه مندور عن أستاذه طه حسين فقد كان "في التوجيه نحو الآداب الأجنبية الكبيرة وبخاصة الأدبان اليوناني القديم والفرنسي وبالرغم من أن طه لم يحاضرني في أي من الأدبين، إلا أن تعلقي به ومحبتي له وانجذابي نحو شخصه قد دفعني إلى البحث عن مؤلفاته القديمة والحديثة".

وعند المقارنة بين طه والعقاد يرى مندور "أن طه رجل اجتماعي النزعة كما هو نفس خيرة وحياته كلها سلسلة من المواقف الخيرة الحانية على الضعفاء المحتاجين إلى عون لم يتردد طه حسين قط عن تقديمه لهم ولو على حساب الأقوياء الذين أغضبهم أحيانا".

أما العقاد فإن له موقفه في الحياة الذي قد نخالفه فيه ولكننا لا نستطيع ولا ينبغي أن ننكره فهو من المؤمنين بالفردية التي تشبه فردية السوبرمان النيتشوية وهو من المؤمنين بالحرية في كافة الميادين فيما عدا ميدان الشعر الذي أصبح يتعصب فيه للجمهور. وهو يكره المذاهب الاجتماعية ولا يزال في هذه الكراهية بالرغم من تخطي الزمن لحرية أدم سميث وجان جاك روسو ولست أدري لماذا لم يتحدث صلاح عبدالصبور عن فلسفة طه حسين وفلسفة العقاد كما تحدث عن فلسفة الحكيم وفلسفة المازني مع أن الأربعة لكل منهم فلسفته ما دمنا قد حددنا معنى هذه الفلسفة بأنها موقف من هذه الحياة.

وقد كتب محمد مندور مقالا عن العقاد عقب وفاته مباشرة عنوانه" العقاد وأثره في حياتنا الثقافية" يقول فيه: هذا الرجل الذي لم يتلق تعليما نظاميا أكثر من التعليم الابتدائي استطاع بجده واجتهاده أن يعلم نفسه وأن يستكمل ثقافته لا العربية وحدها بل والعالمية أيضا بفضل تعلمه للغة الإنجليزية وإتقانه لها حتى اتخذها وسيلة إلى الآداب والثقافات العالمية لا الإنجليزية وحدها".

ويضيف: ومن المؤكد أن جمعه بين سعة الاطلاع على تراثنا من الشعر العربي وسعة الاطلاع على التراث العالمي من الشعر وبخاصة تراث القرن التاسع عشر الأوروبي قد كان الركيزة القوية التي استند إليها هو وصاحباه عبدالرحمن شكري وإبراهيم عبدالقادر المازني في الدعوة الكبرى التي نهضوا بها لتجديد الشعر العربي في النصف الأول من هذا القرن تبرز بفضله شخصية الشاعر الذاتية من خلال شعره وصدوره عن نفسه معنى وأسلوبا بدلا من صدوره عن ذاكرته ومحفوظه وسيره في الدروب التقليدية المطروقة على نحو ما فعل رواد النهضة الشعرية في عالمنا العربي الحديث عندما أقاموا هذه النهضة على بعث ديباجة الشعر العربي القديم وأغراضه ومعانيه وصوره وأخيلته وبخاصة كبير هذه الجماعة أحمد شوقي".

ولكن سبق هذه المقالة عن العقاد مقالات أخرى كانت عبارة عن معارك خاضها مندور بوجه العقاد من هذه المقالات مقال يبدأه مندور كما يلي:

"قيل لي" إن الأستاذ عباس محمود العقاد نشر مقالا بجريدة الأخبار رد فيه على مقال لي بجريدة الجمهورية وآخر للأستاذ صلاح عبدالصبور بالأخبار وأنا أقول إن الأستاذ العقاد رد ولكنه في الحقيقة لم يرد فيما علمت بل أخذ ينعتني بصفات لا أحسبها رديئة فهو يدعوني جاويشا ببوليس النجدة وأنني أسارع أحيانا برد هجماته الغضنفرية على المرأة أو على النقد أو على الشعر الجديد.
وأنا أقبل هذه الصفة مغتبطا فليس أحب إلى نفسي من نجدة الحق ضد الباطل والاعتدال ضد التطرف.

ويختلف محمد مندور مع الدكتور رشاد رشدي وكان أكاديميا وناقدا معروفا في تلك الفترة فهو يقول في مقال: طالعت في باب الفكر والأدب بمجلة "بناء الوطن" مقالا للدكتور رشاد رشدي بعنوان "الفن في خدمة المجتمع" فتبادر إلى ذهني أن أرسل إليه فورا برقية تهنئة بهذا المقال الذي ظننت من عنوانه أنه يمثل رجوعا منه إلى طريق الصواب، كان رشاد يرى أن الأدب "هو ما هو" وأن القصة أو المسرحية أو القصيدة هي ما هي وكل ما يطلب منها أن يكون لها بدء ووسط ونهاية بينما كنت أرى مع عدد كبير من الزملاء أن الأدب قد أصبحت له وظيفة اجتماعية قيادية يجب أن يؤديها وأن من حقنا بل من واجبنا كنقاد أن ننقد الأعمال الأدبية على أساس نوع الوظيفة التي يريد العمل الأدبي المنقود أن يؤديها للمجتمع أو للإنسانية كلها بينما كان رشاد يرى أنه ليس من واجبنا ولا من حقنا أن ننقد العمل الأدبي من خارجه أي وفقا لما نستشعره من حاجات المجتمع التي يجب على الأدب أن يلبيها حتى لأذكر أن رشاد أراد أن يخرجني من زمرة النقاد جميعا لأنني أنقد الأعمال الأدبية من خارجها في حين أنه يرى أن يقتصر الناقد على النظر في العمل الأدبي كما هو ليتبين هل له بدء ووسط ونهاية فيحكم له بالجودة والامتياز أو بالضعف والانحطاط.

ويرى مندور أن التأثرية هي المرحلة الأولى للنقد: هل يعجبني العمل أم لا، ثم ننتقل إلى الجانب الموضوعي: لماذا يعجبني أو لا يعجبني وهنا نبحث المضمون والصياغة وكل شيء، ولكن المشكلة هي أننا لا نقر الوقوف بأحكامنا عند الشكل وحده.

ويتضمن الكتاب آراء كثيرة لمندور حول النقد والعملية النقدية فهو يقول على سبيل المثال: حين تركت الحياة الأكاديمية في الجامعة لأعمل في الحياة العامة حيث خالطت الناس وتلقيت دروسا مباشرة من الحياة لا تقل أثرا وتأثيرا في تكويني النهائي عما تلقيت من دروس في الجامعات أو قرأت من كتب داخل الجدران، أخذت آفاقي النقدية تتسع وتتطور شيئا فشيئا دون أن أتنكر للمرحلة السابقة من حياتي العملية فقد ظللت حتى اليوم أحرص على القيم الجمالية في الأدب عامة والشعر خاصة ولكني أخذت أزداد اهتماما بالحياة وأخذ إحساسي يزداد شيئا فشيئا بأنه لا ينبغي أن يظل الأدب والفن متاعا للخواص ولمتذوقي الجمال الممتازين من الناس، بل يجب أن يساهم الأدب والفن في خدمة الحياة وجعلها أفضل وأسعد وخيرا مما هي.

بعد ذلك يشعر مندور بأن نظرية الفن للحياة لا للفن أخذت تغري بعض الشبان بإهمال القيم الجمالية والأصول الفنية في سبيل الهدف الخير الذي يسعون إليه، وبذلك لا يعود الأدب أدبا ولا فنا، بل يصبح شيئا آخر قد يكون سياسة أو جتماعا أو فلسفة ولكنه ليس أدبا ولا فنا، فيدفعه إحساسه الحاد بالمسؤولية إلى أن يحاول إعادة التوازن في نقده بين المرحلة الجمالية الأولى والمرحلة الحيوية الوسطى، ويحاول أن يبلور منهجا سمّاه المنهج المتكامل في النقد في سلسلة من المقالات التي نشرها في جريدة الشعب عن النقد الأيدلوجي، مؤكدا أن هذا النقد لا يمكن أن يهمل القيم الجمالية والأصول الفنية المرنة للأدب والفن، ولكنه يضيف إليها النظر في مصادر الأدب والفن وأهدافها ووسائل علاجها.

يقول مندور حول مذهبه الأدبي في النقد، إنه في صورته النهائية يقوم على أساسين: أساس أيديولوجي ينظر في المصادر والأهداف وفي أسلوب العلاج، وأساس فني جمالي.

ينتظم في مرحلتين: «أحاول دائما أن أجمع بينهما في كل نقد تطبيقي أقوم به وهما المرحلة التأثيرية التي أبدأها دائما بأن أقرأ الكتاب المنقود قراءة دقيقة متأنية لأحاول أن أتبين الانطباعات التي خلفها في نفسي. ثم مرحلة التعليل والتفسير، وهي المرحلة التي أحاول فيها تفسير انطباعاتي وتبريرها بحجج جمالية وفنية يمكن أن يقبلها الغير وأن تهديه إلى الإحساس بمثل ما أحسست به عند قراءتي للكتاب المفقود. إذ من البديهي أن ذوقنا الفردي لا يمكن أن تمليه على الغير ما لم نحاول تمريره بالحجج المنطقية السليمة التي نستمدها من ثقافتنا اللغوية والإنسانية والفنية العامة، بحيث يصبح الذوق وسيلة مشرعة للمعرفة التي تصح لدى الغير. ومن الواجب أن يقاوم الناقد كل هوى في نفسه، وكل نزعة شخصية يمكن أن تفسد ذوقه وتجعل منه وسيلة للتضليل لا لمعرفة الحق والإدراك الصحيح للقيم الجمالية والإنسانية التي يبني عليها أحكامه.

أما ما الذي يرجو محمد مندور أن يقيه الله شره، فهو التعصب الأعمى لاتجاه بذاته نتيجة لأفكار سلفية، يريد أن يمليها على الأدب والأدباء، وذلك لأن الحجر على الفكر البشري لا يمكن إلا أن يقتله، واتجاهات الفكر السليمة هي دائما تلك التي تخطط لها تضاريس الحياة ولا يمكن لأي ناقد مهما كانت قوته أن يقاوم تلك التيارات النابعة عن الحياة الجارية ووقف تضاريسها، وإلا كان كمن يحاول أن يحمل الأنهار على أن تصعد الربوات.

وبنظر محمد مندور «أقبح من التعصبات الفكرية العمياء، الأهواء الشخصية والنزوات الفردية المريضة التي تحابي وتعادي على غير أسس نزيهة من التذوق البرئ والتعليل المنطقي السليم والدراسة الموضوعية الجدية لما يتناوله الناقد من أعمال أدبية، بل إنني لأحس مخلصا في الفترة الأخيرة من حياتي بميل واضح إلى الرفق والترفق بل والتشجيع المتزن لجميع البراعم التي أحس لديها ما يوحي بالأمل، ولعل مزاولتي المستمرة للتدريس بالجامعة والمعاهد العليا واتصالي الدائم بالشباب والأدباء الناشئين، كان له أثر كبير في تقوية هذا الاتجاه في نفسي، فضلا عن أنني قد أصبحت منذ زمن بعيد والدا لأبناء استأنسوني وفجروا في أعماقي ينابيع التسامح والرفق».

إنها كلمات أستاذ كبير وناقد كبير ذي قامة عالية في الأدب والنقد العربي في القرن العشرين. وهي كلمات جديرة بأن يقرأها وينتفع بها أدباؤنا ونقادنا اليوم على مختلف أذواقهم ومشاربهم ومناهجهم لأنها خلاصة تجربة فنية معمقة جعلت من صاحبها زعيما بارزا من زعماء أدبنا المعاصر والحديث.