بقلم / عبد الحافظ الصاوي :

في نوفمبر 2016، تم توقيع اتفاق بين حكومة الانقلاب العسكري وصندوق النقد الدولي، يعطي مصر تسهيلات ائتمانية بنحو 12 مليار دولار على ثلاث سنوات، على أن تفي مصر بالإجراءات الاقتصادية التي تعهّدت بها في اتفاقها مع الصندوق، وتُسيل التسهيلات الائتمانية لمصر على شرائح خلال السنوات الثلاث. أقدمت مصر على تنفيذ الكثير من تعهّداتها لصندوق النقد الدولي، والتي كان أبرزها خفض سعر العملة المحلية، وخفض دعم الوقود، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، وطرح نحو 20 شركة ومؤسّسة عامة للخصخصة من خلال البورصة المصرية.

وبناءً على تنفيذ هذه الخطوات، حصلت مصر على 8 مليارات دولار - تضمن ملياري دولار تحصل عليهما مصر خلال يوليو 2018-، ويبقى عام 2019 بمفاجآته للمصريين، حيث إن اتفاق مصر مع صندوق النقد غير مُعلن، ولا تُعرف تفاصيل إجراءاته على وجه التحديد، لا من حيث التوقيت، ولا من حيث المجالات التي سينالها الاتفاق. وعلى كل ستحصل مصر في عام 2019 على باقي تسهيلات صندوق النقد والمقدّرة بنحو 4 مليارات دولار، وذلك في ظل جرأة حكومة الانقلاب على تطبيق كافة الشروط، ودون الاكتراث لتبعاتها السلبية على الشعب في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. لم تكترث الحكومة لارتفاع معدل التضخم وتجاوزه لسقف 35% في يوليو 2017، ولا لاتساع رقعة الفقر، ولا لتراجع الاستثمار، ولا لتراكم الديون المحلية والخارجية بشكل مخيف، لدرجة أنه أصبح محل تحذير خبراء صندوق النقد وكافة مؤسسات التصنيف الائتماني، وحتى من قبل الاقتصاديين والخبراء المؤيدين للانقلاب العسكري في داخل وخارج مصر. ولكن السؤال هو ..ماذا بعد نوفمبر 2019، والذي يعني انتهاء اتفاق مصر مع صندوق النقد، بتطبيق مصر لكافة شروط الصندوق وحصول مصر على القروض؟ هل سيكون الاقتصاد المصري خرج من أزمته، وحُلّت مشكلاته؟ أم ستدخل مصر في اتفاق جديد مع الصندوق بعد نوفمبر 2019؟.ليس من قبيل الظن، ولكنه على نحو اليقين، أن مصر ستطلب الدخول في اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي، لكي يضمن لها استدامة الحصول على القروض الخارجية، فحسب التقرير المنشور على موقع وزارة المالية المصرية، وكذلك صندوق النقد الدولي، يتم سد الفجوة التمويلية بالموازنة العامة من خلال التمويل الخارجي، وهو ما لمسناه خلال الفترة الماضية، منذ توقيع الاتفاق مع الصندوق في نوفمبر 2016، إذ قفز الدين الخارجي لمصر، من 67 مليار دولار بنهاية 2016 إلى نحو 100 مليار دولار بنهاية مايو 2018، فضلاً عن استثمارات للأجانب في الدين العام المحلي قدّرت بنحو 23 مليار دولار. وعلى الرغم من إجراءات زيادة الإيرادات الضريبية وتخفيض الدعم، وزيادة أسعار ورسوم كافة السلع والخدمات التي تقدّمها الحكومة، لا يزال العجز بالموازنة العامة المصرية من حيث القيمة في تزايد مستمر، إذ بلغت قيمته في موازنة 2018-2019 نحو 437 مليار جنيه، أي أن الفجوة التمويلية لهذا العام ستكون بحدود 24 مليار دولار، وحسب تصريحات وزير المالية السابق عمرو الجارحي، فإن مصر عازمة على اقتراض نحو من 10 - 12 مليار دولار من الخارج خلال 2018-2019، وسيكون تدبير باقي الفجوة التمويلية من الاقتراض المحلي. لم يتغير شيء في بنية الاقتصاد المصري، من حيث موارده الذاتية، التي يمكن من خلالها الاستغناء عن الاقتراض الخارجي أو المحلي، إذ لا يزال أداء الاستثمار ضعيفاً من حيث الكم، ومن حيث القيمة المضافة، بسبب انصراف كل من الحكومة والقطاع الخاص عن الاستثمارات في قطاعات مهمة مثل الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، وما زالت الاستثمارات تتركز على قطاع الخدمات، والعقارات، والتشييد والبناء، والبنية الأساسية، كما لم تحدث طفرة في الصادرات أو الاستثمارات الأجنبية المباشرة، يمكنها أن تغيّر من طبيعة أزمة التدفقات الأجنبية لشرايين الاقتصاد المصري. في الوقت الذي يتشدّد فيه صندوق النقد الدولي مع الحكومة المصرية وغيرها من الحكومات في تطبيق الإجراءات الخاصة بخفض الدعم، أو تخفيض نسبة العجز بالموازنة للناتج المحلي، أو الخصخصة، أو تخفيض قيمة العملة المحلية، نجده يذكر على استحياء مخاطر تفاقم الدين العام، وانتشار الفساد، وعدم الانتقال للإصلاح الهيكلي الخاص بالقطاعات الإنتاجية. لم يجرؤ صندوق النقد خلال الفترة الماضية على مطالبة الحكومة بتحجيم دور الجيش في التهام الاقتصاد المدني ومُزاحمة القطاع الخاص المصري في الائتمان والاستثمار، وفي الاستحواذ على مشروعات المؤسسات العامة والحكومية.وتبقى المشكلة الأكبر لمصر في بقاء الاقتصاد المصري دون مشروع تنموي. 

 

نقلاً عن موقع «الجزيرة مباشر»