بقلم / جهاد فاضل - كاتب لبناني : 

لعل الفرق في مسألة البكاء على الأطلال بين الشاعر الجاهلي القديم وبين العربي الحديث هو أن الأول وقف على أطلال قبيلته وحدها في حين أن الثاني يقف اليوم على أطلال وطن بكامله، وقف الأول على أطلال خولة ببرقة ثمهد، أو على أطلال قبيلة أخرى بسقط اللوى محدداً الناحية أيضاً. فهي تقع بين الدخول وحومل، في حين يقف العربي الحديث لا على أطلال قرية أو مدينة، بل على أطلال قرى ومدن بلا حصر، فالوطن كله أطلال، وكل طلل منها جدير لا بقصيدة بل بملحمة إن لم يكن بملاحم، وجدير بدموع تظل تنسكب من العين والروح، إنها سوريا أرض التاريخ والأبطال والشهداء مضرجة بدمها على السفح ذبحها القرامطة من الوريد إلى الوريد انتقاماً من تاريخها نفسه: من عروبتها وإسلامها، من معاوية وسائر الأمويين وصولاً إلى عبدالرحمن الداخل في الأندلس ومدينة الزهراء التي بناها في ظاهر عاصمته قرطبة، انتقاماً من كل الفتوح الإسلامية التي اضطلع بها الأمويون دون سواهم على مدى تسعين عاماً من حكمهم الأغر في دمشق، والتي توقفت نهائياً تقريباً بعد سقوط عاصمتهم بيد العباسيين.

ظلت سوريا عربية إسلامية على مدار التاريخ إلى ما قبل خمسين عاما من اليوم، سقطت هذه المرة بيد القرامطة أو بيد البرابرة لا فرق.

وعندما شعر هؤلاء بأن مصيرهم مهدّد وبأن سوريا ستستعيد هويتها، أشعلوا النار في كل مكان منها، في كل مدينة وكل صقع، استباحوا كل شيء، الموتى يبكون على ما احترق وضاع كما يبكي الأحياء، يبكي سيف الدولة على حلب وقلعتها، ويبكي المتنبي على ما حل بحلب على أيدي المغول الجدد، ويبكي خالد بن الوليد على مسجده في حمص، وتبكي زنوبية على مملكتها في تدمر وآثارها التي لا تُعوض. مساجد ومعابد تاريخية مشغولة بالذهب وبالقلوب سُوّيت بالأرض، الجامع الأموي هو الوحيد الذي نجا من المذبحة، ولكنه جامع محزون لا يكف عن البكاء ولا يتعزّى لأن قسما كبيراً من مُصليه قد تشرد تحت كل سماء ولا أمل بعودته.

الماضي اندثر وتبدّد، والحاضر تراب، والمستقبل سراب، سوريا بلد محروق ومنهوب ومسروق من أهله ومن قدره وتاريخه، إن لم يكن بلداً مُعاقاً إلى أجل غير مسمّى، بل إلى لا أجل، فأوّاه وأوّاه!

إلى ما قبل خمسين سنة كانت سوريا قبلة العرب والعروبة والإسلام والمسلمين، كانت سوريا جزءا جوهريا في معادلة تضم بالإضافة إليها مصر والسعودية، الآن اختلّت هذه المعادلة بل تهاترت، تحولت فلسطين إلى قضية بلا وزن ولا أهمية ولا مستقبل، تخلّى الجميع عنها، ضاع الجولان إلى الأبد، وضاعت سوريا معه، وضاعت فلسطين التي كنا نعتبرها كما يعتبرها التاريخ «سوريا الجنوبية» والمغتصب الذي كنا نطلق على دولته في فلسطين دولة «العصابات الصهيونية»، تبين أن دولته غير ذلك، وأهم من ذلك، فهي دولة يصل نفوذها الآن إلى بلدان كثيرة في المنطقة، ويخطب ودها كثيرون، في حين تتحول أكثر من دولة عربية إلى أثر بعد عين، إلى أطلال تبحث عن شاعر جاهلي جديد يٌسائلها ويسألها ولا ينتظر جواباً منها لأن ما يراه يكاد ينطق من هوله، هذا إن لم يكن صمته أبلغ من أي قول يمكن أن ننسبه له.

لعل سوريا أجهزت على نفسها بنفسها، كان قدرها في لعبة الأمم أن تكون مجرد سجن كبير لشعبها، جرى ترويض هذا الشعب سنوات طويلة حتى بدا وكأنه شعب من الأقنان والعبيد، فجأة ثار هذا الشعب على سجّانه ولكن ثورته فشلت، تجمع أشرار العالم والمنطقة عليه وأجهضوا ثورته، كان قدره أن يبقى في السجن لتبقى دولة الغزو والاغتصاب، ثار على قدره فهزم شر هزيمة واستمر السجّان والمغتصب المهيمن على فلسطين والمنطقة.

تنوح البلدان كما ينوح الإنسان، ولماذا نستغرب نواح بلد عظيم مثل سوريا أن ينوح وقد تحول إلى خراب؟ هل كان خرابه ضرورياً لبقاء وعمران بلد آخر هو إسرائيل؟ هل جنت سوريا على نفسها عندما خرجت من السجن الكبير؟ هل كان نزار قباني يبالغ عندما قال في قصيدة مشهورة له: «وبلاد الشام في الجغرافيا صار اسمها يهودستان».

وهل كان يقصد ببلاد الشام التي تهوّدت «سوريا الجنوبية» وحدها؟.