بيروت - الجزيرة نت: لم تغب الحرب الأهلية اللبنانية عن يوميات اللبنانيين بعد، فالحرب التي استمرت بين عامي 1975 و1990 ودمّرت البلاد بشراً وحجراً، تركت ندوباً في ذاكرة اللبنانيين وأجساد الآلاف منهم، وقد أصبح أبريل من كل عام محطة للاحتفال بالذكرى، حيث تقام احتفالات في العاصمة بيروت تحت شعار "تنذكر ولا تنعاد".

وكانت آخر الاحتفالات مسيرة جابت شوارع بيروت، وانتهت بتجمّع أمام المتحف الوطني الذي كان شاهداً على عبثية الحرب، وخط تماس بين متقاتلين على مدى 15 عاماً، فضلاً عن احتفال "اقلب الصفحة" الذي شهدته بيروت إحياء للذكرى 41 للحرب، وتقدّمها مواطنون من مختلف الأعمار والانتماءات السياسية والعقائدية.

وتخلل الاحتفال عرض مسرحي يُحاكي صراع الشباب بين البقاء في الوطن والهجرة. و"اقلب الصفحة" أو "تنذكر وما تنعاد"، شعاران لا يمكن لهما أن يرفآ جرحاً مفتوحاً ينزف قصة 17 ألف مفقود لم يُعرف مصيرهم بعد.

 

فشل الحكومات

ولم تنجح الحكومات المتعاقبة على لبنان منذ عام 1990 في حل ملف المفقودين والكشف عن مصير المختفين قسراً، وإحقاق حق ذويهم في معرفة ما جرى، ومن هؤلاء وداد حلواني التي فقدت زوجها إبان الحرب الأهلية، فقد اختطف في عام 1982، ولم تتعب أو تكل من البحث عنه لمعرفة مصيره، ومصير آلاف اللبنانيين المفقودين.

وتقول حلواني إنها لم تكن تتوقع أن يخطف زوجها وهي أم لطفلين، وتضيف "مسيرة عذابنا لم تنته بعد، أحفادي اليوم يسألون عن جدهم". وتتابع قائلة "جيل ثالث من أهالي المفقودين اليوم يحمل وزر هذه القضية"، وتقول "كان عمري 30 سنة يوم خطف زوجي، وعمري اليوم 65، نحن أناس نحب الفرح ونتألم لفقدان أحبتنا".

وتقول حلواني إنها ستظل رافعة لراية معرفة مصير المفقودين، وذلك من أجل "تحصين المجتمع من جرائم مشابهة"، وأبدت أسفها لعدم تمكن الدولة من حل هذا الملف بعد 26 عاماً منذ انتهاء الحرب.

 

مقترح قانون

غياب أي حل من الحكومات المتعاقبة لملف مفقودي الحرب اضطر الأهالي للتقدّم بشكوى لدى القضاء محققين مكسباً في العام 2014 بنيلهم حكماً يكرّس حقهم في معرفة مصير المفقودين والمختفين قسراً. هذا المكسب أوجب على السلطات تسليم الأهالي نتائج التحقيق الذي أجرتها، إذ تبيّن خلوه من أية معلومات تنهي المأساة، كما تقول حلواني.

ويقول مقرّر لجنة حقوق الإنسان في البرلمان اللبناني النائب غسان مخيبر: إن ملف مفقودي الحرب "جرح مفتوح لأننا لم نصل إلى حل يغلق الملف". ويضيف مخيبر أن لجنة حقوق الإنسان النيابية "أقرّت قانوناً قبل أيام لحل قضية المفقودين". ورأى في حديث مع الجزيرة نت أن إقرار اقتراح القانون في البرلمان "يعد تحدياً للإرادة السياسية لمختلف القوى الممثلة في البرلمان". ووفق مخيبر، يتضمّن مقترح القانون، الذي ينتظر التصويت في البرلمان، إنشاء هيئة وطنية لشؤون المفقودين وضحايا الاختفاء القسري تتمتع باستقلالية إدارية ومالية وقانونية، وتضم خليطاً من ممثلي أهالي المفقودين والمجتمع المدني والسلطات الرسمية.

 

حق الأهالي

ويتضمّن مقترح القانون أيضاً أحكاماً قانونية تثبت حق الأهالي بمعرفة مصير أبنائهم، وكيفية تأمين هذا الحق، وتنظيم عملية نبش المقابر الجماعية. ويؤكد النائب أن "نبش المقابر لا يعني نبش ذاكرة الحرب". ويقول المحامي ومؤسس المفكرة القانونية بلبنان نزار صاغية: إن حل ملف المفقودين "لا يكون إلا بقانون وهيئة للتحقيق في المقابر الجماعية"، ويشدّد صاغية في تصريح للجزيرة نت على أن أهالي المفقودين "يريدون تثبيت حقهم في المعرفة وليس المحاسبة"، موضحاً أن "حق المعرفة لا يهدف إلى الانتقام، بل إلى الاعتراف بما حصل أثناء الحرب من أجل أن نتسامح".