200 محل مملوكة لصينيين فقط في شارع بوسط العاصمة داكار

ترجمة-كريم المالكي:

تساو تشيهان، 23 عاما، شاب صيني، تخرج للتو من الكلية، فعل ما فعله أجيال من الصينيين الطموحين من قبله، حيث غامر بالذهاب إلى أرض بعيدة ولم يألفها من قبل، يتحدث الناس فيها لغات لا يعرفها. وعلى عكس الصينيون الذين يحلمون بحياة أفضل في أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا، اشترى تساو تذكرة طائرة للسنغال، البلد يبلغ عدد سكانه 14 مليون نسمة وبلغ عدد الصينيين فيه نحو ألفي صيني.

ومع انه لدى تساو أقارب في داكار، العاصمة، لكنه لم تكن لديه سوى فكرة بسيطة عما يمكن توقعه. وتحدث بعد أسابيع قليلة من وصوله حيث يعمل في مطعم عائلته في الحي الصيني الآخذ بالتوسع في داكار: نحن الصينيون نعتقد أن أفريقيا غير متحضرة وخطيرة، ولكن تبين لي بأنها لم تكن سيئة للغاية، وأعتقد أنني سأعيش لفترة طويلة في هذا المكان.

ومع ذلك يبقى السؤال الاهم هو هل الصينيون الوافدون للسنغال تجار ام مهاجرون؟ 

ابناء هينان الصينية

في هذه الأيام، هناك أكثر من 200 محل تجاري مملوكة لصينيين في شارع يقع في منطقة يقطنها سكان من الطبقة الوسطى وسط داكار. وتعج المحلات التجارية الضيقة بسلع كالاكسسوارات والمجوهرات وأدوات المطبخ البلاستيكية والأحذية النسائية. وكل شيء صنع في الصين وعدد قليل من السلع تباع بخمسة دولارات. وعلى عكس الاحياء الصينية النابضة بالحياة في جميع أنحاء العالم، فان الحي الصيني في داكار هو مكان ساحر لكن لا توجد فيه معالم صينية وفقط عدد قليل من المطاعم.

أن معظم أصحاب المحلات هم أصلا من هينان، وهي مقاطعة مركزية فقيرة ذات كثافة عالية، ويبلغ عدد سكانها 94 مليون نسمة. وفي داخل الصين، غالبا ما ينظر للمهاجرين من هينان بعدم ثقة، ويقعون ضحايا للتمييز على أسس مجهولة ولكن عادة ما يعتقدون بأنهم يميلون للإجرام. كما ان العديد منهم يكدحون في وظائف هزيلة، او يعملون سائقي شاحنات أو مزارعين أو عمال.

تجارة الجملة بيد الصينيين

ويقول التاجر تشو هاومينغ: هذه هي الطريقة التي نعيش بها، لقد تركنا الوطن لاجل ان نكسب لقمة العيش، فإذا وجدت مكانا جيدا، ستسحب أصدقائك، في نهاية المطاف، حتى لو كان على الجانب الآخر من العالم. ويضيف تشو الذي وصل قبل 17 عاما من هينان لاقامة معرض تجاري للمنتجات الصينية، ولم يغادر السنغال قط: ادركت ان الصين لديها الكثير من الاشياء وان الناس هنا يحتاجون للسلع، لذلك دخلت السوق.

وافتتح تشو،58 عاما، متجر لبيع الزهور الاصطناعية وأصبح دون قصد نواة الحضور الصيني المتنامي في داكار الذي اخذ يسيطر على تجارة الجملة في السلع الاستهلاكية منخفضة التكلفة.

ومثلا ان السائقين الصينين الذين يبحثون عن فرص في الخارج، نادرا ما تكون السنغال ضمن قائمة وجهات الاختيار، ولكن لسهولة الحصول على تأشيرة غالبا ما تزول الشكوك التي لدى العديد من الصينيين بشأن أفريقيا.

كفاح وصعوبات ونجاح

عادة ما يبدأ الوافدون الجدد بالعمل مع تاجر الجملة الذي يعرفونه من الوطن ثم ينطلقون بالاعتماد على أنفسهم بمجرد أن يدخروا ما يكفي  لشراء الدفعة الأولى من السلع ويتحولون الى تجار تجزئة. ومع ذلك فالحياة نادرا ما تكون سهلة، فساعات العمل طويلة، والأرباح قليلة والشعور بالوحدة قاتل. الرجال غالبا ما يأتون بالاعتماد على انفسهم، ولكن حتى الأزواج فيميلون لترك أطفالهم في الوطن لتتم رعايتهم من قبل الأجداد.

ومع انتصاف النهار وارتفاع الحرارة يقل المارة، وبسبب الملل يشاهد أصحاب المتاجر الأفلام الصينية على هواتفهم بينما ينظف العمال السنغاليون الرفوف ويتحدثون مع بعضهم بلغة الولوف، التي لا يفهمها الصينيين.

ومن بين الاشياء التي يتناقلها البعض انه عند الاستعلام عن الحياة في السنغال تأتيك شكاوى الزعماء، بوجود الكثير من المنافسين، وعدد قليل جدا من الزبائن، وارتفاع أسعار البضائع التي تم شراؤها خلال رحلات الشراء السنوية إلى الصين.

معاناة اخرى

وعزا وانغ شو، 34 عاما، صاحب محل ليبيع الاكسسوارات مع شقيقه الاصغر، سبب التباطء في المبيعات الى الزيادة برواد الاعمال التجارية القادمين من الصين، ولكون السنغاليين لديهم اموال قليلة. وهناك معاناة اخرى هي البعد عن الاهل والزوجة حيث يقول وانغ: إن ابني اخذ يكبر في بلدي دون أب، وهو ما يسبب لي معاناة كبيرة.

اما بالنسبة للسنغاليين، فقد كان وصول تجار الجملة الصينيين نعمة مختلطة، فالسلع المنخفضة التي يستوردونها تحافظ على ديمومة عدد لا يحصى من الباعة المتجولين، الذين ينحدر اغلبيتهم من الريف. اما الأقل ارتياحا فهم التجار السنغاليين الذين كانوا يسافرون إلى الصين لشراء نفس السلع ولكنهم قلصوا تجارتهم.

قلة الاجور وغياب المشتركات

ويعرب جان نويل فايى، 38 عاما، وهو تاجر احذية فى سوق فى داكار، عن تعاطفه مع التجار السنغاليين الذين يشتكون من اسعار السلع الصينية. ويقول فايي الذي يكسب حوالي 80 سنتا على كل زوج احذية: مع ذلك بدون الصينيين، لن يكون لدينا ما نبيعه. وبالنسبة لمن لديهم انطباعات سلبية عن الصينيين فهم اغنياء في الحقيقة.

وقد تكون لدى السنغاليين العاديين شكاوى مشروعة بشأن الاجهزة الإلكترونية غير المطابقة للمواصفات والأدوية المضروبة والصيادين الصينيين الذين يتنافسون مع الصيادين المحليين لتخفيض الخزين السمكي.

كما يشكو السكان الذين يعملون في المحلات التجارية المملوكة للصينيين من قلة الأجور ويقول مساعد متجر، مؤكدا على عدم وجود لغة مشتركة: ليس لدينا شيء مشترك مع الصينيين، وان السبب الوحيد لقدومهم للسنغال هو لكسب المال.

عوالم منفصلة

ومع ذلك فأن تعبيرات الامتنان الأكثر شيوعا، وهي مشاعر تعززها وفرة المشاريع المدعومة من الصينيين والتي حسنت الحياة في المدينة، فهناك أميال من الطرق الجديدة والمجددة ، ومسرح وطني فخم ومجموعات لمعدات ممارسة الرياضة التي تجذب جموع من السنغاليين المحبين للياقة البدنية اضافة إلى الكورنيش الجميل في فترة الغسق.

ومع ذلك، يعيش السنغاليين والصينيين بعوالم منفصلة. ويقول السيد تشو، تاجر الجملة الرائد ببيع الزهور الاصطناعية، إنه لا يعرف سوى زواجين مختلطين خلال جميع سنواته في السنغال، وهو زواج نادل في المطعم الصيني، وهو من المهاجرين الوافدين حديثا من امرأة سنغالية.

فرصة العمل متاحة

وخلال التواجد باحد المطاعم، كان في غرف الطعام خاصة احد المهندسين الشباب من الذي يعملون في بناء الطريق السريع الجديد لمطار المدينة، وفي غرفة اخرى احد التجار من فوجي قدم من غامبيا القريبة بسبب عدم الاستقرار السياسي فيها. والغرفة الثالثة يشغلها رجل اعمال وصل مؤخرا.

ويقول رجل الاعمال، إن الفرص متاحة في أفريقيا، لكن المهاجرين من الصين اختاروا أحيانا المكان الخطأ للاستقرار، وهو يتحدث عن تجربته، حيث أمضى سبع سنوات في أنغولا التي تركها بعد سرقته تحت تهديد السلاح عدة مرات.

ويضيف: حتى الشرطة في انجولا قاطعو طرق، موضحا لماذا تخلى عن اعماله في مجال البناء وانتقل للسنغال وافتتح صالة الكاريوكي الترفيهية التي يرتادها الرجال من العزاب الصينيين. ويضيف: في الحقيقة ان الاماكن والمدن التي يوجد فيها فوضى يمكن ان تكون جيدة لرجال الاعمال لان المنافسة عليها قليلة، ولكن لكل شخص حدوده.

عن صحيفة نيويورك تايمز الاميركية