الدوحة - الراية : أكد فضيلة د. عيسى يحيى شريف أن الإسلام عظّم من شأن العمل، فعلى قدر عمل كل إنسان يكون جزاؤه، حيث قال المولى عز وجل في كتابه العزيز: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

وأوضح د. عيسى أن الأنبياء الذين هم أفضل خلق الله قد عملوا حيث عمل سيدنا آدم عليه السلام بالزراعة، ونوح بالنجارة، وموسى بالرعي، وداود بالحدادة، ومحمد صلى الله عليه وسلم برعي الغنم والتجارة، وما من نبي إلا ورعى الغنم.

وبيّن أنه لا يجوز للمسلم أن يترك العمل باسم التفرّغ للعبادة أو التوكل على الله، ولو عمل في أقل الأعمال فهو خير من أن يسأل الناس منعوه أو أعطوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب، فيبيع فيأكل ويتصدّق، خير له من أن يسأل الناس).

العمل المناسب

وأضاف د. عيسى: من واجب الدولة أن تهيّئ لكل قادر على العمل عملاً يلائمه ويكتسب منه ما يكفيه ويكفي أسرته، وأن تيسّر له من التعليم والتدريب ما يؤهله لهذا العمل، حتى يؤدي بذلك للعامل حقه في تأمين نفقاته العائلية لأن ذلك من كرامته.

ونوه بأن الإسلام نظّم هذا الحق من خلال محاربته للمحسوبية والرشوة وجعل الكفاءة والصلاحية هي أساس التمييز بين الأفراد في فرص العمل، قال تعالى في ثنايا الحديث عن قصة ابنة شعيب «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ» فلا حق لغير المختص في الطب مثلاً في أن يعمل طبيباً، ولا حق للجاهل في أن يعمل معلماً.

الأجر العادل

وذكر أنه من حق العامل أن يحصل على الأجر العادل الذي يناسب حجم العمل الذي يقوم به بحيث يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان، فلا يجوز لصاحب العمل أن يبخسه حقه، ويغبنه في تقدير أجره الذي يستحقه نظير عمله، ففي جانب التحريم للفساد قال الله تعالى: «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ). وفي الوعيد جاء الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره).

وفي حالة الظلم فللعامل الحق في الشكوى وحق التقاضي لاستيفاء حقه، بينما في سياق المدح والثناء أخبر صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة آواهم المبيت إلى غار فنزلت صخرة فسدّة عليهم باب الغار فصاروا مُحاصرين لا يستطيعون أي حيلة لرفع الصخرة فقالوا ادعوا الله بصالح أعمالكم فكان فيهم البار لوالديه وكان فيهم العفيف الذي لا يقع في الفاحشة وكان فيهم الذي أوفى الأجير حقه فدعوا الله فانزاحت عنهم الصخرة وخرجوا يمشون).

وأكد د. عيسى أن للعامل الحق في الراحة، فلا يجوز لصاحب العمل إرهاقه إرهاقاً يضرّ بصحته أو يجعله عاجزاً عن العمل، مستشهداً بقول الحق تبارك وتعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).

قوانين التكافل

وأشار إلى أن قوانين التكافل الاجتماعي في الإسلام ضمنت للمواطن عند عجزه أو مرضه نصيباً من بيت مال المسلمين يكفيه، كما ضمن الإسلام للعامل حق رعاية أسرته بعد وفاته، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم». فأيما مؤمن مات وترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دَيْناً أو ضياعاً فليأتني، فأنا مولاه» ويقصد بذلك بيت مال المسلمين. قوله «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم» أي: في كل شيء من أمور الدنيا والدين، وشفقتي عليهم أكثر من شفقتهم على أنفسهم فأكون أولى بقضاء ديونهم (فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلي قضاؤه ومن ترك مالاً فلورثته)، فمن ترك ديناً أو ضياعاً أي عيالاً (فليأتني فأنا مولاه) أي: وليّه وكافل أمره، وفي شرح السنّة: الضياع اسم ما هو في معرّض أن يضيع إن لم يتعهّد كالذرية الصغار الذين لا يقومون بأمر أنفسهم ومن يدخل في معناهم (فإلينا) أي: مرجعه ومأواه أو فليأت إلينا أي: أنا أتولى أمورهم بعد وفاتهم وأنصرهم فوق ما كان منهم لو عاشوا، وأنا كافلهم وإلينا ملجأهم، والمفروض أن تحل الدولة وبيت مال المسلمين محل شفقة ورحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واجبات العمّال

وتحدّث د. عيسى عن واجبات العمّال فأوضح أن أبرزها العلم بواجبات ومتطلبات العمل وذلك حتى لا يخالفها أو يقصّر في أدائها كذلك الشعور بالمسؤولية تجاه العمل فلا يهمل عمله ولا يقصر ولا يغش..فمن طرق الكسب الحلال كما يذكر العلماء تجارة مشروعة بصدق أوعمل مشروع بإتقان أو عطية مشروعة بحق.

وقال: إنه يتعين على العامل أن يتحلى بالأمانة والإخلاص، مشيراً إلى أن الغش خيانة ليست من صفات المؤمنين، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشّنا فليس منا).

وشدّد على أن أخذ الرشوة، وتضييع الأوقات كل ذلك خيانة، وأشار إلى قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ».

إجادة العمل

ونوه بأنه يتعين على العامل أن يجيد في أداء عمله وأن يحسن أداءه مستشهداً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

وأكد أنه يجب على العامل إطاعة رؤساءه في العمل في غير معصية، وأن يلتزم بقوانين العمل وأن يتعفّف من استغلال الوظيفة أو النفوذ للنفع الشخصي أو لنفع الغير، لافتاً إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ).