بقلم / توجان فيصل - كاتبة أردنية :

 

تتصدّر الأزمة الاقتصاديّة في الأردن عناوين الأخبار اليوميّة ومقالات الرأي وأيضاً الدراسات والأبحاث. ولكن أغلب ما يطرح يقف عند حدود طرح حلّ مالي جبائي شرس. والنظرة الوحيدة لجهة آثار ذلك الحلّ المؤقّت على المديين القريب والبعيد هو الحديث عن «الطبقة الوسطى»، ويقف تعريفها عند رقمي الألف دينار كدخل للفرد، والألفين للأسرة لإخضاع ذلك الدخل لضريبة، رغم شحّ الرقمين في ظلّ الغلاء الفاحش وغير المبرّر. المؤيّدون، بل وأغلب الرافضين لتوسيع الشمول بضريبة الدخل، يتحدّثون عن الطبقة الوسطى من منطلق اقتصادي بل ورقمي بحت، ولا يتحدّثون عنها كمعقل للقيم الاجتماعيّة والحضاريّة والقدرات الفكريّة اللازمة لبقاء وتطوّر أي مجتمع، والأخطر أنه لا حديث عن الاستبدال الجاري لتلك القيم بنقائضها.

فهنالك قسمة طبقية مفتقرة لأي مقوّمات الطبقة عالمياً وتاريخياً، تجري حالياً في الأردن في مجال خدمة، بل وحق مواطنيّ وإنساني، وهو التعليم. وسأقفز عن الحديث المشبع عن حال المدارس الحكوميّة، لأتحدّث عن المدارس الخاصّة التي يضطر أبناء الطبقة الوسطى لها، وجلهم يقتر على بقية ضروراته أو يبيع ما يملك أو حتى يقترض، ليفي بكلف تلك المدارس. فاللجوء لهذه المدارس أصبح يمثل فرصة تأمين ليس المستقبل العلمي للطفل، بقدر ما هو لكون فرص الحياة باتت محصورة بحلقة مالكي المال وأنسبائهم وأصدقائهم وزملاء دراستهم. وهي تشمل فرص تبوؤ مواقع قيادية كلها تأتي في العالم المتحضّر عن طريق الكفاءة والانتخاب، فيما عندنا هي أصبحت مغانم يجري لأجلها حتى التزوير الصريح والكاسح (موثق في كتب ويتداول صراحة في الجلسات الاجتماعية) لنتائج الانتخابات الموصلة لبعض أهم وأخطر تلك المواقع.

وكلفة شراء مستقبل الطفل بإدخاله مدارس أبناء تلك الحلقة تبدأ برسوم سنوية للمرحلة الابتدائية من ثلاثة آلاف دينار إلى أربعة آلاف وخمسمائة دينار (4500-7500 دولار)، وتتصاعد لتصل في المرحلة الثانوية من سبعة آلاف إلى أكثر من ثلاثة عشر ألف دينار (10000- 18000 دولار). وهذه ترفع سنوياً بمعدّل خمسة بالمئة في الحالات العادية. هذا غير كلف المواصلات والزي المدرسي وكلف المشاركة في الأنشطة اللامنهجية، وحتى كلف كتب المنهاج التي تباع إلزاماً من قبل المدرسة بأضعاف أسعار المطبوعات المماثلة، وحتى المناهج المعتمدة من وزارة التربية والتعليم تباع بأضعاف سعرها في تلك المدارس. وهذا غير نفقات غير محسوبة تخترع، منها بدء البعض برسم مقابلة المدرسة للطفل لتقرير ما إذا كانت ستقبل تسجيله لديها، والذي لا يستغرق نصف ساعة ويصل لخمسين ديناراً، والتي هي أعلى من أجرة طبيب إخصائي يجري تقييماً من ذات النوع وفي ذات الوقت. فما الذي تكشفه لدى الطفل موظفة في مدرسة تقبل العمل براتب شحيح ليبرّر هكذا كلفة؟ فشحّ رواتب المعلمين خاصة المعلمات معروف. ولكون الراتب الذي يسجل في التعاقد لأشهر التدريس فقط (لتحاشي عقد سنوي) لا يدفع، طالبت نقابة المعلمين بإيداع رواتب المعلمات في حساباتهن البنكية، والعديد من المدارس ترفض هذا.. فما الذي يعلّم ويدرّس ويزرع في عقل ونفس الطالب منذ طفولته، سوى تأهيله لمواقع يمارس فيها ما مورس عليه؟!

وهنا تجدر العودة للقطة واحدة معبّرة عن حال طلبة المدارس الحكومية. فقد نشرت بداية هذا الشهر قائمة بأرباب أسر طلبة في المدارس الحكومية ومدارس القوات المسلحة مستحقي معونة عشرين ديناراً (عن كامل السنة وصدرت العام الماضي بمكرمة ملكية وبحد أعلى ثمانين ديناراً أي لمن لديه أربعة أبناء طلبة). والقائمة - غير الحصريّة لجهة المحتاجين - تضمّ خمسة آلاف رب أسرة ذكر باسمه الرباعي ورقمه الوطني. وغالبيتهم الساحقة ورد أنهم سيستلمون عشرين ديناراً، فيما قلة ضئيلة ستستلم أربعين، ولا يصل عدد من سيستلمون الستين ديناراً المئتين، أما من سيستلمون ثمانين ديناراً فلا يصلون لعشرة.

لكشف الحاجة عندنا حساسية اجتماعية، ولهذا تسمية من لا يطلبون معونة صراحة بـ»الأسر المستورة». وها هو الستر يرفع بصور رسميّة، عن قسمة للشعب لطبقتين: الأولى الضيّقة، أيضاً أسماؤهم الرباعيّة تنشر بتكرار أخبار تعييناتهم أو زعم فوزهم بمناصب، وحتى صورهم وسط مظاهر ترفهم.. فيما المستور من شأنهم بحزمة قوانين ضخمة تعاقب بالحبس لمن يكشفه، هو فساد ذممهم. وهؤلاء، في غالبيتهم هم طبقة «النوفيريش» بكل ما تعنيه التسمية عالمياً وتاريخياً. والطبقة الثانية هم المفقرون بدرجة يستحيل معها «الستر» الذي وحده ما زال يبقي العديد مثلهم زوراً في تعريف الطبقة الوسطى «المحترمة نفسها»، فتحمّل مديونية الدولة وأزمتها المالية!

خلاصة المقال: باسم الطبقة الوسطى المتهمة، أطالب بنشر الذمة المالية لكافة المسؤولين في الدولة ولمستشاريها ولمديري وأعضاء مجالس إدارة كل الشركات الخاصة والعامة.. إضافة للكتّاب الصحفيين الثابتين. والأخير تطبيقاً للمثل القائل: ضع نقودك حيث تضع لسانك.. و»صيت الغنى» مرغوب بعكس «صيت الفقر»!