بقلم - محمد مصطفى الملكي :

وردتِ القدوةُ في القرآن الكريم بأكثر من صيغة وأكثر من لفظ، قال تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»، وقال: «أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ».. ومن الآيات يتبين أن كلمة «قدوة» تعني المثال الذي يُحتذى به.

أن يُعلم بأفعاله قبل أقواله، فالنبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ توضأ أَمَامَهم ليُعلمَهم الوضوءَ، وصلّى أَمَامهم ليُعلمهم الصلاةَ، يقول عَليُّ بن أبي طالب: أَلا أَتَوَضَّأُ لَكَ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ويقول عُثمانُ: « هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأ» والصحابةُ نقلوا أفعالَه لا أقواله، وفي الصلاة قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وفي الحج: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، وفي الجهاد: «كُنَّا إِذَا احْمَرَّ البَأسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى إِلَى الْقَوْمِ مِنْهُ». ولذلك أول صفات المعلم القدوة هي أن يُعلم طلابَه بأفعاله لا بأقواله.

سدّ الفجوةِ بين المنهج المتاح وما يجبُ تحصيلُه. فأحيانًا نقفُ على مواطنَ قصورٍ في المناهج الدراسية، ويجب علينا إكمالُ هذا النقص، وتغطية هذا القصور. وخُذ على ذلك مثالًا: لولا وجودُ الدولة العثمانية لأصبحت بقايا الإسلام في المنطقة العربية كبقايا الإسلام في الأندلس، بلا أيّ مبالغةٍ أو تهويل، ومع ذلك تجد المناهج العربية تتناول مساوئ الدولة العثمانية أو حركات الانفصال كحركات استقلال، فيترسخ في ذهن الجيل عداءُ العثمانيين الأتراك. فهل يَعلم الطالبُ المسكين أن البرتغال احتلت الخليج العربي بأكمله عام 1017م وسيطرت عليه عشرين سنة، حتى أرسل السلطان سليمان القانوني حملةً بحرية بقيادة «بيري ريس» ساعدت القبائل العربية بالمنطقة في طرد البرتغاليين وتحرير منطقة الخليج؟ والتعليم رسالة وليس مجرد وظيفة ومصدر رزق، وأنا كمعلم من خلال تناولي للمنهج أستطيع أن أبث في وعي الطالب من المفاهيم والحقائق ما يغرس فيهم الانتماء والولاء.

المعلم القدوة يُبْدع ويبتكر في استراتيجيات التعليم ووسائل التعلم، بما ينمي مهارات التفكير العليا والتفكير الناقد لدى طلابه، ولَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فقد تنوعت أساليبُه ووسائلُه التعليمية، منها:

توظيف الإعادة والتكرار لمراعاة الفروق الفردية، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادهَا ثَلاَثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاَثًا.

وتوظيف الوسائل التعليمية المتاحة، كرسم الأشكال التوضيحية، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ تَلَا: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ.

وتوظيف استراتيجيات العصف الذهني وحلّ المشكلات، بطرح أسئلة وانتظار إجابات، ثم تقديم التغذية الراجعة الفورية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَن لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ .... وعَنْ سَهْلٍ بن سعد قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ ....» وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْراً بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ ....» هذا هو المعلم الذي ننشده ونريده، وحين يتوفر لنا مثله ستتبوأ بلادُنا المكانة اللائقة بها بين الأمم.