بقلم : سامي كمال الدين (إعلامي مصري) ..
غفوة نوم أنقذتني من موت محقق في قطار الصعيد المتجه من القاهرة إلى أسوان رقم 832 الذي شب فيه حريق راح ضحيته أكثر من 500 من المصريين عام 2002.

بين الجوع والفقر والوجوه المتعبة التي هدها الشقاء، كان القطار يترنح بين الحقول وعشرات الآلاف من الأفدنة الزراعية التي تلحظها العين، ولا تأتي بنهايتها.. أشبه بقول فيروز « حبيتك وسع الغابات اللي حدودها حدود اللفات».شوق اللهفة المشتعل بنيران الانتظار الذي يسكن جوانح هؤلاء البسطاء اشتعل بنار حقيقية في حريق بدأ من إحدى عربات الدرجة الثالثة، وامتد حتى العربة الثانية، واستمر لأكثر من ثمانية كيلو مترات، دون أن يلحظه سائق القطار ليوقف القطار، ولولا أن سائق قطار آخر قادم في الاتجاه المقابل أخبره بأن قطاره محترق، وتشب فيه النيران شبًا لما انتبه (!!)

كان من المفترض أن يتحرك القطار بعد منتصف ليل القاهرة، ويمر على محطة الجيزة، التي سأستقله منها حيث أسكن في شارع المحطة، وفي حارة مجاورة للتي نشأ وتربي فيها محمود السعدني وصلاح السعدني، ولذلك قصة أخرى تستحق أن تروى.هدني شوق الانتظار ولهفة اللقاء بأبي وأمي في صعيد مصر فنمت.

صحوت ألملم نفسي، وأقفز في ملابسي، وما إن دخلت محطة القطار، حتى كان هو قد غادر، وبحثت عن قطار آخر وحجزت تذكرة فيه، وانتظرت عدة ساعات في المحطة حتى وصل.

كانت الفاجعة حين وصلت الصعيد، حيث عرفت بحريق القطار الذي كان سيقلني إلى أهلي، وتذكرت مئات الشباب الذين حرموا من دفء حضن الأم والأب، واستلقفتهم نار حامية، لم تجعلها الدولة برداً ولا سلاماً عليهم.

ومئات من الآباء الذين يعملون في القاهرة في مهن دنيا، ثم يعودون كل عيد لقضائه مع أبنائهم، يحملون معهم ثياب العيد، أو ثمن تفصيل ملابس العيد عند الخياط في كل نجع وقرية.

تركت عيدي مع أهلي، وانتقلت إلى القرى المحيطة بنا والنجوع، لأجرى أحاديث صحفية مع آباء وأمهات الشباب الذين ماتوا في القطار المحترق، وكتبت بألم قصص محزنة أنتجها الإهمال والفقر، ونشرتها في ملف صحفي من عدة صفحات عبر تحقيق مطول في مجلة نصف الدنيا الصادرة عن مؤسسة الأهرام، ورغم مرور كل هذه السنوات فإن قصص الدموع واليتم والحزن في كل بيت مصري لم تفارقني، وما زالت هيئة السكك الحديدة ووزارة النقل والنظام المصري كما هو في معاملة الفقراء، فمن قطار قليوب إلى قطار البدرشين هذا الأسبوع، ومن قطار قنا إلى حادث مترو الأنفاق، وكأنه كتب علينا أن يجرب النظام في أرواحنا.

في قطار 2002 أخذ الناس يقفزون من عربات القطار، لكن وجدوا أسياخاً حديدية تمنعهم من العبور، وكأنه قرار بالموت صدر لهم دون منفذ.

فاتجهوا إلى الأبواب، فتحوها عنوة، قفزوا في مياه النيل، وفي الأراضي الزراعية، بعضهم فارق الحياة، بعضهم أنقذته العناية الإلهية، بعضهم ترك بإهمال في طوارئ المستشفيات.

شب الحريق في الساعة الواحدة صباحاً في سبع عربات بالقطار وهو يتحرك قرب قرية كفر عمار بمركز العياط في طريقه من القاهرة إلى صعيد مصر.

كان الركاب يقفزون من النوافذ والأبواب في الأراضي الزراعية وترعة الإبراهيمية القريبة من السكة الحديدية أملاً في حياة يضيق عليهم النظام فيها.

ربما هي الحادثة الأسوأ في تاريخ قطارات مصر، التي حملها النظام كعادته للمواطن الفقير، حيث صرح رئيس الوزراء وقتذاك عاطف عبيد بأن موقد كيروسين أشعله مواطن داخل القطار لشرب الشاي كان السبب.

لم تنته المأساة عند تفحم الجثث فقط، فقد ذهب الأهالي للبحث عن بقايا جثث ذويهم في المستشفيات فلم يستطيعوا التعرف عليهم، بل وعقّدوا عليهم إجراءات الحصول على التعويض الخاص بهم.
آه يا وطني أتعبتني حياً وميتاً.
 
samykamaleldeen@