برلين - الراية : من روابي منطقة «الزعيم» الفلسطينية المطلة على مدينة «القدس»، راح زيجمار جابرييل، وزير الخارجية الألماني، يستمع إلى شرح مسؤولة في منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية «بتسليم»، حول الممارسات التعسفيّة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضد سكان المنطقة، التي سمح ببناء مستوطنة متاخمة لها هي «معالي أدوميم» والتي قامت إسرائيل بسببها ببناء سور بحجة الأمن قطع الطريق على سكان «الزعيم» الفلسطينية للعبور إلى القدس الشرقية التي يريد الفلسطينيون أن تكون عاصمة لدولتهم المستقلة. لكن ليس هناك ما يؤشر على أن إسرائيل تفكر بالسماح للفلسطينيين كي يؤسّسوا دولتهم المستقلة. وشاهد جابرييل بأم عينه، كيف تعمل إسرائيل في عرقلة الحلم الفلسطيني بتوسيع المستوطنات وبناء الوحدات السكنية ووضع العراقيل أمام الفلسطينيين لكي لا يتمكنوا من شق شوارع للعبور إلى المناطق الفلسطينية المجاورة.

فضيحة

حتى هذه اللحظة لم يكن وزير الخارجية الألماني، يعرف أن اليوم التالي من زيارته لإسرائيل ومناطق الحكم الذاتي الفلسطينية، سوف يشهد فضيحة بطلها رئيس الوزراء الإسرائيلي المثير للجدل، بنيامين نتنياهو. وكان الأخير قد سرّب إلى صحف إسرائيلية تهديداً لجابرييل، حذره من الاجتماع مع منظمات المجتمع المدني، عربية وإسرائيلية ناقدة لسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين، وقالت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن نتنياهو سوف يلغي اجتماعه مع جابرييل، الذي يشغل منصب نائب المستشارة الألمانية إلى جانب كونه وزيراً للخارجية. غير أن جابرييل، الذي يعرف نتنياهو جيداً، ظل يأمل أن يكون ذلك مجرد إشاعة لن يصبح حقيقة، لا سيما أن ألمانيا تأتي بعد الولايات المتحدة الأمريكية، كأهم داعم سياسي ومادي وعسكري لإسرائيل. علاوة على أن جابرييل، الرئيس السابق للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، من أصدقاء إسرائيل الحميمين.

وكانت وزارة الخارجية الألمانية قد تنبأت بحدوث مشكلة بسبب الزيارة، ومن علامات ذلك، تصريح السفير الإسرائيلي لدى برلين، أن إسرائيل ترفض أي وساطة بينها وبين الفلسطينيين. وعندما اطلع الجانب الألماني على برنامج عمل نتنياهو يوم الثلاثاء، الموعد المقرّر للاجتماع مع جابرييل، تبيّن لهم أن مكتب نتنياهو لم يُدرج الموعد أبداً.

جابرييل يلقن نتنياهو درساً بالديمقراطية

وكما كان متوقعاً من جابرييل، الذي يشغل منصبه منذ نهاية يناير الماضي، ويتمتّع بشعبيّة وقبول من قبل الرأي العام الألماني، فقد أبى على نفسه الاستسلام للإنذار الذي وجهه نتنياهو، ورفض الانصياع لرغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بإلغاء اجتماعه مع ممثلي المجتمع المدني، الناقدين لسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين. بل رد على نتنياهو بالقول «لن تحتجّ الحكومة الألمانية لو جاء نتنياهو إلى ألمانيا واجتمع مع منتقدي السياسة الألمانية». وأضاف «من عادة السياسيين الألمان عقد لقاءات مع ممثلي المجتمع المدني خلال زياراتهم للخارج». وقال معلقون ألمان إن جابرييل لقن نتنياهو درساً بالديمقراطية، وهو ما أشارت إليه المستشارة الألمانية عندما علقت على القضية وقالت وهي تشير إلى تأييدها لموقف نائبها وزير الخارجية الألماني: يجب أن يكون في «دولة ديمقراطية!!!» سماع أقوال منظمات مثل «كسر الصمت» و»بتسليم» ممكناً.

وتجدر الإشارة إلى أنه من ضمن المنظمات التي اجتمع جابرييل مع ممثلين عنها، منظمة «كسر الصمت» التي توثق شهادات جنود إسرائيليين حول استخدام العنف ضد الفلسطينيين خلال تأديتهم الخدمة العسكرية في المناطق الفلسطينية. ومنظمة «بتسليم» الحقوقية التي توثق منذ سنوات طويلة ممارسات إسرائيل التعسفيّة ضد الفلسطينيين. وذكر نتنياهو اسم هاتين المنظمتين بالذات عندما حذر وزير الخارجية الألماني من الاجتماع معهم.

تبرير نتنياهو أسوأ من ذنب

وراحت النخبة السياسية في برلين تنتظر الساعات القادمة لمعرفة ما إذا سينفذ نتنياهو تهديده، وهو ما حصل بالفعل، بل دافع عن إلغائه استقبال جابرييل بحجة أن المسؤول الألماني كان يتحدث إلى منظمات تعتبر جنود إسرائيل مجرمي حرب.

وبينما أعرب جابرييل عن أسفه لقرار رئيس الوزراء الإسرائيلي، كانت السفارة الألمانية في تل أبيب قد أرسلت تقريراً عاجلاً إلى برلين، شرحت فيه ظروف الفضيحة، بينما حاول جابرييل التقليل من أهميتها رافضاً أن يتحول إلى «كرة» يتقاذفها السياسيون في إسرائيل، وقال إنه لا يعتبر الموقف عبارة عن كارثة، ففي القريب سوف نلتقي معاً «المقصود نتنياهو». وتجدر الإشارة إلى أن المواجهة القادمة بين المسؤولين الإسرائيليين والألمان، سوف تتم في مايو المقبل، عندما يقوم الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، بزيارة رسمية إلى إسرائيل.

ويتفق المراقبون في برلين على أن الفضيحة تزيد من توتر العلاقات بين برلين وتل أبيب. فقد انتقد الألمان بشدة القرار الإسرائيلي بشرعنة الاستيطان، ما جعل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تؤجّل موعد المشاورات الحكومية بين البلدين التي كانت مقررة في مايو في القدس، وزعمت برلين أن السبب انشغال الحكومة الألمانية بالتحضير لقمة مجموعة العشرين في يوليو المقبل بمدينة هامبورج، لكن بعض المراقبين في العاصمة الألمانية قالوا إن ميركل أرادت أن تعبر عن غضبها تجاه سياسة الاستيطان الإسرائيلية. في نفس الوقت، لم تترك برلين فرصة إلا وأكدت على تمسكها بحل الدولتين، معتبرة إياه الحل الوحيد لتسوية النزاع الفلسطيني/‏ الإسرائيلي.

إدانة ألمانية واسعة لموقف نتنياهو

وقد انتقدت كافة الأحزاب الممثلة في البرلمان الألماني «بوندستاج» موقف نتنياهو، وأعلنت تأييدها المطلق لوزير الخارجية الألماني. وبحسب «ماجد ستّار» المحرّر الدبلوماسي في صحيفة «فرانكفورتر ألجماينه» الذي رافق جابرييل في جولته إلى الأردن وإسرائيل ومناطق الحكم الذاتي الفلسطينية، يعكس الخلاف الذي فجره نتنياهو حول لقاء جابرييل مع ممثلي منظمات المجتمع المدني الناقدة لسياسات إسرائيل، مجرد تعبير عن المستوى المتدني الذي وصلت إليه العلاقات بين برلين وتل أبيب في الفترة الأخيرة. وترى ألمانيا والاتحاد الأوروبي القرار الإسرائيلي بشرعنة الاستيطان، علامة على أن نتنياهو لا يريد تسوية النزاع مع الفلسطينيين.

هل يفعلها نتنياهو مرة أخرى؟

ومن المقرر أن يقوم الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، بزيارة رسمية إلى إسرائيل، هي الأولى بعد استلامه منصبه في نهاية مارس والثالثة إلى الخارج بعدما زار فرنسا وألقى كلمة أمام البرلمان الأوروبي بمدينة «ستراسبورج» الفرنسية. ومن المقرّر أن يجتمع شتاينماير مع ممثلي المجتمع المدني في إسرائيل بمن فيهم منظمتا «كسر الصمت» و»بتسليم»، ولا يُعرف إذا سيتم ذلك أم يتم إلغاء اللقاء مع ممثلي المنظمتين اللتين تساهمان في فضح جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين. إذ يعود الفضل لشخص يتعاون مع المجتمع المدني الإسرائيلي في التقاط صور لجندي إسرائيلي أطلق النار في مارس 2016 على رأس جريح فلسطيني في مدينة الخليل وأرداه قتيلاً ثم حصل على حكم مخفف. ولا يختلف موقف الرأي العام الإسرائيلي عن موقف نتنياهو تجاه منظمات المجتمع المدني الناقدة لسياسات إسرائيل التعسفية تجاه الفلسطينيين، فغالبية الإسرائيليين يعتقدون أن هذه المنظمات تلحق الضرر بسمعة إسرائيل في الخارج!.