بقلم : سمير عواد (مراسل الراية في برلين) ..
وصفها المُراقبون بالقنابل اللطيفة، تلك التي استخدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لردع الدكتاتور السوري بشار الأسد، بعد استخدامه الغاز السام ضدّ المدنيين في «خان شيخون» عام 2017 والغوطة الشرقيّة عام 2018.

ومن المؤسف أن السبب الحقيقي وراء استخدام القنابل اللطيفة ليس معاقبة بشار الأسد وإنما لأنه كان يأمل في أن يؤدّي ذلك إلى رفع شعبيته في الولايات المتحدة وتحسين سُمعته في الخارج الأمر الذي لم يتم. ويبدو أن ترامب ترك الأزمة السوريّة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اللاعب الفاعل في الأزمة الذي بفضل الأزمة السورية استعاد مكانة بلاده كقوة عُظمى وأعادها إلى الشرق الأوسط وتسبب في ضعف النفوذ الأمريكي.

وجاء قراره بسحب الجنود الأمريكيين من سوريا بمثابة خيبة أمل للمعارضة السورية في مرحلة عصيبة من شأن بشار الأسد أن يفهم أنها دعوة له لحسم الحرب. وبحسب المُحللين كانت هذه القنابل لغضّ الطرف عن ذنب الغرب عن استمرار الحرب السوريّة رغم مرور سبعة أعوام عليها ومقتل أكثر من 480 ألف سوري وتهجير الملايين إلى بلاد الجوار وإلى أوروبا.

والحرب السوريّة تركة مشؤومة خلفها له باراك أوباما الرئيس الأمريكي السابق. وكان يمكن أن تنتهي هذه الحرب لولا أوباما والولايات المتحدة والغرب، ومجرد التكهّن بذلك، يجعل الغرب يتحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية وسقوط مئات الآلاف من المدنيين وحدوث مجازر مروّعة.

لقد كان هدف أوباما الإطاحة ببشار الأسد. ففي عام 2013 بدأت الاستخبارات الأمريكية cia تعمل في تدريب فصائل المعارضة وتسليحها ورصد الأمريكان مليار دولار لمشروع الإطاحة بالدكتاتور السوري. لكن عندما جاء ترامب سارع إلى إلغاء البرنامج. وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» في الصيف الماضي أن هدف أوباما الأساسي كان إلحاق أشدّ الخسائر بقوات النظام السوري لإجبار بشار الأسد على التفاوض والتعهّد بالتنازل والمغادرة مع عائلته إلى المنفى الروسي.

غير أن سياسة ترامب سارت في اتجاه معاكس، وكلف إساءة تقدير الموقف زهق مئات الآلاف من الأرواح، وهكذا فإن استفحال الحرب السوريّة كان نتيجة لاستراتيجية أمريكية قائمة على أساس «تغيير النظام» في سوريا، على غرار ما نجحت به في العراق، وإن كانت العواقب وخيمة حتى اليوم، فإن هذه الاستراتيجية فشلت في سوريا فشلاً ذريعاً.

وبرأي المعلق الألماني المعروف ياكوب أوجشتاين، الذي كتب مقالاً نشرته مجلة «دير شبيجل» على موقعها الإلكتروني، أكد فيه أن التدخّل الغربي في الأزمة السورية أدّى إلى احتدام الحرب ونشوء ثغرات استغلها الأصوليون ثم استغلتها موسكو لتصفية حسابات مع إدارة أوباما الذي وصف روسيا بأنها أصبحت دولة إقليميّة، ونزع عنها لقب «القوة العظمى»؛ ما جعل بوتين يعدّ نفسه للانتقام وجاءت الأزمة السوريّة لتحقق له الانتصار المزدوج الذي كان يصبو له، أولاً تحرّر من الضغط الذي كانت تعاني منه بلاده بسبب ضمّها إقليم القرم ودعمها الانفصاليين في شرق أوكرانيا، ثم عودة روسيا إلى الشرق الأوسط. وبحسب أوجشتاين، فإن سوريا مثال آخر على سوء تقدير المواقف من قبل واشنطن تسبب في سقوط مئات الآلاف من الأبرياء في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن.

ومُني هدف أوباما بالفشل عندما أراد أن يُضعف بوتين وعلى العكس من ذلك وفر له فرصة تاريخيّة ليعيد روسيا قوة عظمى على خريطة العالم فاليوم لا يمكن حل الأزمتين الأوكرانية والسورية ونزاعات كثيرة في العالم بدون بوتين. قنابل أوباما وترامب على سوريا لم تؤدِ إلى قتل جندي واحد من جنود بشار الأسد، ولم تؤدِ بطبيعة الحال إلى اندلاع حرب عالميّة ثالثة كما كان يُقال ولا إلى عودة مفاوضات السلام.

ماذا يفعل بشار الأسد في هذه الأثناء؟ إنه يخلق وقائع جديدة على أرض الواقع. وأصدر أخيراً مرسوماً يدعو إلى مصادرة أملاك المواطنين السوريين الذين فرّوا من بلدهم بسبب الحرب، وتهديده بمصادرة ممتلكاتهم إذا فشلوا في إثبات ملكيتهم لها خلال ثلاثين يوماً.

وبحسب الكاتب الألماني ميشائيل تومان، فإن بشار الأسد يمارس التصفية العرقيّة على غرار ما فعله الصرب والكروات عام 1995 في الحرب اليوغسلافية تجاه عرقيات أخرى خاصة المسلمين، فصادروا ممتلكاتهم وجعلوا عودة المهجرين أمراً مستحيلاً كما فعل ذلك الإسرائيليون عندما صادروا أملاك الفلسطينيين الذين فرّوا إلى بلاد الجوار في عام 1948 وفي عام 1967.

هناك حوالي ستة ملايين سوري يعيشون في الخارج وستة ملايين مهجر يعيشون داخل سوريا وعانوا مرتين، أولاً عندما رمت طائرات الأسد البراميل المتفجّرة فوق رؤوسهم، ثم تمّ إجبارهم على مغادرة مناطقهم والآن يريد الأسد مصادرة ممتلكاتهم.

السؤال إلى متى يلتزم المجتمع الدولي الصمت على مخالفات بشار الأسد واضطهاده شعبه؟ وإلى متى يصبر بوتين بالذات على الدكتاتور السوري الذي أصبح منذ فترة مجرد حجر شطرنج بيده يحرّكه كيفما أراد؟