الدوحة - الراية : أكدت الداعية سلمى الحرمي أن الكثيرين منا أصبحوا يلهثون في الوقت الحالي وراء المتع الاستهلاكية والزائلة كالمنازل الممتلئة بقطع الأثاث الفاخر والهدايا الثمينة ورحلات السفر الخيالية بالإضافة إلى البحث عن أشهى الأطباق الغريبة، بينما، المصحف على سبيل المثال بات البعض منا يضعه فقط قرب المسابح والمبخرة الفاخرة للحصول على صورة احترافية في يوم الجمعة أو خلال شهر رمضان المبارك، كما أن الكتاب أصبح هو الآخر مجرد ديكور تضعه الفتاة قرب وردة، أو كوب لاتيه «قهوة بالحليب» ليظهرها بمظهر الفتاة المثقفة.

وأشارت الحرمي في محاضرة عن مكانة «الأمانة في الإسلام» إلى أن هناك فجوة كبيرة أصبحت بيننا وبين أبنائنا في الوقت الحالي في أعقاب الانتشار الواسع لبرامج التواصل الاجتماعي والأجهزة الإلكترونية، لافتة إلى أن الكثيرين منا باتوا مدمنين لهذه الأجهزة بشكل كبير.

الانطباع العام

وأكدت أن الانطباع العام عندنا للأسرة العربية أنها أسرة متماسكة وقوية، مضيفة إن هذا الانطباع قد شابه الكثير من التغيير في العصر الحاضر لعدة أسباب أبرزها غياب الرجل بشكل كبير ما أدّى إلى ظهور ما يعرف بـ (الوالدية الواحدة) كذلك غياب الحوار بين أفراد الأسرة علاوة على تغلب الاهتمامات المادية وطغيانها على حياة الأسرة ثم أخيراً عدم وضوح الأولويات.

تأثير الإعلانات

وتحدثت الحرمي عن تأثير الإعلانات والأفلام والمسلسلات على مجتمعاتنا العربية والإسلامية قائلة: الإعلانات والأفلام والمسلسلات ترسم لنا دائماً صورة البطل السعيد الغني حتى في أفلام الكرتون نجد البطلة أميرة تمتلك كل شيء.. القصر والملابس والأحذية والأطعمة.. السعادة المطلقة.

وأوضحت أن الإعلانات التي تقدمها وسائل الإعلام المختلفة تلعب دوراً كبيراً في توصيل هذه الرسالة وهذا المفهوم إلينا وتعميقه في النفوس.

المفاهيم الخاطئة

ولفتت إلى نماذج لعدد من المفاهيم الخاطئة التي غرستها الإعلانات والأفلام والمسلسلات في نفوس النساء فقالت: مجوهرات كارتيه هي قيمتك.. ساعة الرولكس بالألماس هي تميزك.. قلادة تيفاني هي رمز الحب.. هنا السعادة يا نساء ! نسمع عبارات مثل: دللي نفسك، رفهي عن نفسك، أنتِ تستحقين.

ونبهت إلى أن هذا صوت مزمار السحر.. الذي يخدّر العقول والشعوب والأمم ويمنعها من أن تصحو لتفكر بمصالحها الحقيقية، وأكدت أن الذي يستفيد من استهلاكنا المحموم لهذه السلع هي الشركات العملاقة التي تمتصّ جيوبنا من جهة ثم ترسل لنا المزيد من الرسائل الساحرة من جهات أخرى نشتري ونعرض.. يرانا غيرنا ويغار ويقلّد ويشتري ونراهم ونغار ونقلد.. حتى تمضي بنا الحياة وننسى صوتاً ندياً يقول لنا :(ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر).

الهواتف الذكية

وأشارت إلى أنه من كثرة انحناء الرأس على الهواتف الذكية، صار الـ (واتس أب) اليوم يدير أوقاتنا؛ حتى أفقدنا الإحساس بطعم الحياة والتأمل بالطبيعة والتفكر بمجريات الأحداث، والتركيز على الأهداف والاستمرار بالإنجاز.

موضحة أن الهم الذي بات يشغل الواحد منا اليوم هو نقل الأخبار والأحداث التي من حوله، أكثر من أن يتفاعل معها وأنه لو رأى حادث اصطدام على سبيل المثال بين سيارتين، يكون أول ما يفكر به هو نشر الخبر قبل أن يفكر ويبادر بمساعدة المصابين.

وأضافت: في بعض الأحيان نجد الشخص جالساً في غرفة العناية المركزة بقرب من أبيه أو أمه وهما في اللحظات الأخيرة من حياتهما بينما يكون هو مشغولاً بنقل أخباره لأصدقائه من خلال واتس أب أو انستغرام، أكثر من انشغاله بالدعاء لهما أو الاهتمام بهما.

انشغال الآباء

واستعرضت الحرمي نماذج لأشكال انشغال الآباء عن الأبناء بسبب مواقع التواصل الاجتماعي الحديثة، مشيرة إلى أن الوالدين صاروا أونلاين مع أصدقائهم وعلاقاتهم بهم أكثر من علاقاتهم بأبنائهم.

وتطرقت الحرمي للحديث عن المكانة والأهمية الكبيرة التي تحظى بها الأمانة في الإسلام مستشهدة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف (أبلغ الأمانة أن تؤدّي الأمانة حتى مع من خانك) وقوله صلى الله عليه وسلم (أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخرها الصلاة).

وقالت إن الكثيرين منا من يفكرون في تغيير العالم ولكنّ القليلين من يفكرون في تغيير أنفسهم، موضحة أن أول خطوة للتغيير تكون بـ «الصدق».

مكانة الصديقية

وأضافت إن الصديقيّة هي مرتبة تأتي بعد النبوة حيث يقول المولى عز وجل في محكم كتابه: (فأولئك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُنَ أولئك رفيقاً). وقوله سبحانه (ليسأل الصادقين عن صدقهم) وقول الرسول الكريم في الحديث (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقاً).

ونوّهت إلى أن الأمانة مع الله تكون بإخلاص العبادة له عز وجل أما الأمانة مع النفس فإنه تكون بإقامتها على شرع الله، وتقييمها، وتطويرها، فيما تكون الأمانة مع الناس في الكلام والوعود والمعاملات كالبيع والشراء والزواج والعمل الوظيفي وتربية الأبناء وما إلى غير ذلك.