برلين - الراية : أوضحت عملية استقراء تمت لحساب القناة الأولى للتلفزيون الألماني ard والتي تمّ نشرها أنه إذا جرت انتخابات عامة في ألمانيا، سوف يتمكن حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي، بدخول البرلمان الألماني "بوندستاج"، ولكن بنسبة تأييد لا تزيد على خمسة بالمائة. لكن الذي أثار قلق قادة الأحزاب التقليدية الكبيرة في ألمانيا، أن عملية استقراء الرأي، حملت لهم أخباراً مقلقة، ووفقاً لها، سيحصل الاتحاد المسيحي الذي تتزعمه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على 33 بالمائة من الأصوات، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي تتدنى شعبيته باستمرار، على 20 بالمائة، وهذا أدنى نسبة من التأييد له منذ أن تأسست جمهورية ألمانيا الاتحادية، وكان في السابق أكثر شعبية من الاتحاد المسيحي. أما الحزبان المعارضان، الخضر واليسار، فسوف يحصل كل منهما على 13 بالمائة من الأصوات.

ولا أحد في ألمانيا يستطيع التكهن في الوقت الراهن، كيف سيكون شكل الائتلاف الحكومي القادم، هل يستمر الائتلاف الكبير القائم حالياً، حيث يلعب الحزب الاشتراكي دور وصيف الحزب المسيحي الديمقراطي الذي تترأسه ميركل، أم تتشكل حكومة تجمع حزب ميركل وحزب الخضر، كما حصل في ولاية بادن فورتمبيرج مؤخراً، حيث تشكلت أول حكومة محلية بين الحزبين، يعتقد بعض المراقبين أنها قد تشجع قادة الحزبين على التحالف بعد الانتخابات العامة القادمة 2017. أم تحصل مفاجأة ويتم تشكيل ائتلاف يجمع الحزب الاشتراكي والحزب الليبرالي وحزب الخضر، كما حصل في ولاية راينلاند بفالز مؤخراً.

المؤكّد أن تشكيل ائتلافات لم تكن في البال في ثلاث ولايات ألمانية، كان سببه الفوز المفاجئ الذي حققه حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي في انتخابات ولايات "بادن فورتمبيرج" و"راينلاند بفالز" و"زاكسن - أنهالت" في 13 مارس الماضي.

ويبدو أن الأحزاب الألمانية التقليدية الممثلة حالياً في البرلمان، لا تعتزم التعاون مع الحزب الشعبوي الذي تأسس قبل ثلاثة أعوام، لأنه فضح نفسه منذ البداية. ففي مؤتمره العام الذي عقده في نهاية مطلع الشهر الماضي، أعلن عن برنامجه السياسي، والذي جاء في نقاطه الرئيسية، دعوته إلى معاداة الإسلام ومكافحة اللاجئين. ومن وجهة نظر الخبراء السياسيين، فإن ذلك يُعتبر مخالفاً للدستور الألماني، الذي يضمن حرية العبادة بما في ذلك ضمان حقوق المسلمين في ممارسة دينهم، أما من وجهة نظر السياسيين من مختلف التيارات السياسية في ألمانيا، فإنه يُعتبر خطوة لتحقيق الانقسام بين أبناء الشعب الألماني، ونسف التعايش السلمي في البلاد بين الحضارات والديانات، الأمر الذي عبر عنه هاينريش بيدفورد شتورم، رئيس الكنيسة البروتستانتية في ألمانيا، حيث قال: الشعب الألماني لا يريد الدخول في صراع مع الحضارات.

وتجدر الإشارة إلى أن الحزب الشعبوي الألماني، الذي تأسس على أرض ألمانيا الشرقية السابقة، ينهج أسلوب التخويف من الإسلام والمهاجرين، ليحقق أهدافه السياسية. وصدرت تصريحات مروعة عن قادته، مثل زعيمته المثيرة للجدل، فراوكه بيتري، التي تحلم بتشكيل تحالف للأحزاب الشعبوية في أوروبا، التي أيدت في مقابلة صحفية أنها توافق على موقف ذكرته بيارتريكس فون شتورش، نائبتها في الحزب، التي قالت إنه ينبغي إطلاق النار على اللاجئين إذا أرادوا دخول البلاد بصورة غير مشروعة.

وفي مقابلة أجراها تيم سيباستيان الصحفي الإنجليزي المعروف ببراعته في استجواب السياسيين، استطاع أن يلقن فراوكه بيتري درساً لن تنساه مدى الحياة، حين اتهمها أمام الكاميرا بأنها تعتمد في نهجها على تخويف الناخبين من الإسلام والمهاجرين، ما أدى إلى إحراجها وجعلها تغادر المكان الذي تمت فيه المقابلة دون مصافحته. وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي المقابلة التي قال أحد المعلقين إن سيباستيان استطاع أن يمزق زعيمة الحزب الشعبوي إرباً إرباً.

وفي مؤتمر الحزب في شتوتجارت، أعلن الحزب شعاره الرئيسي وكان عنوانه "الإسلام لا ينتمي لألمانيا"، والتمهيد في حال وصل الحزب إلى السلطة في الولايات أو برلين، لحظر بناء وتمويل المساجد من خارج البلاد، ومنع المؤذن من الأذان، وحظر ارتداء النساء والفتيات الحجاب في المدارس ومنع بناء منارات المساجد، وذلك رداً على الموقف الذي أعلنه كريستيان فولف، الرئيس الألماني السابق، الذي قال في خطاب ألقاه في عام 2010 بمناسبة مرور عشرين عاماً على إعادة توحيد ألمانيا، "الإسلام أصبح جزءاً من ألمانيا". وهذا ليس مبالغة، فمنذ أن بدأ مهاجرون من المسلمين بالهجرة إلى ألمانيا في عقد الستينيات وساهموا في إعادة إعمارها بسبب الدمار الذي لحق بها نتيجة الحرب العالمية الثانية، أصبح عدد المسلمين في ألمانيا يزيد على خمسة ملايين. وكانت العبارة التي ذكرها الرئيس السابق فولف، وأدت إلى انتشار شعبيته في أوساط المسلمين بألمانيا، كما يعتقد البعض أن موقفه المؤيد للمسلمين، هو الذي عرضه إلى حملة تشهير أدت إلى إجباره على الاستقالة من منصبه قبل أربعة أعوام.

وبينما قالت صحيفة الشارع "بيلد"، إن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ستسعى لإيجاد إستراتيجية مناسبة لاستعادة الناخبين الذين كانوا يصوتون لحزبها ثم صوتوا مؤخراً لحزب "البديل من أجل ألمانيا"، فإن فولكر كاودر، الرجل الثاني في الاتحاد المسيحي، يعتقد أن المواقف الشعبوية تعيد الناخبين إلى تأييد حزبه. ففي مقابلة صحفية قال إن المسلمين ينتمون إلى ألمانيا، لكن الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا. وهي تصريحاته الثانية التي يستخدم فيها الإسلام ككبش فداء بسبب نجاح الحزب الشعبوي في الانتخابات الأخيرة، فقد كان قبل أيام قد انضم إلى الجدل الدائر حول تضييق الخناق على المسلمين في ألمانيا وضم صوته إلى أصوات الشعبويين الذين طالبوا بفرض الدولة مراقبة على المساجد في ألمانيا، الأمر الذي انعكس في عملية استقراء للرأي قال 51 بالمائة من الألمان الذين شاركوا فيها، إنهم يتبنون موقفاً سلبياً تجاه الإسلام، مقابل 31 بالمائة قالوا إنهم لا يجدون مشكلة في التعايش مع المسلمين في ألمانيا.

وتجدر الإشارة إلى أن كاودر، الذي أصبح مثيراً للجدل منذ أن أصبح يدافع عن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ويفتح له الأبواب في ألمانيا، اعتاد أن يتهجم على الإسلام في كل عام، رغم أن موقف ميركل يختلف كلياً عن موقفه المثير للجدل.

وصرح أيمن مزيك، رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، والذي يفقد أحياناً السيطرة على مواقفه، بأن هذا أول حزب ألماني بعد نهاية الحرب العالمية الثانية يدعو إلى معاداة دين معين في ألمانيا. ثم قال إنه وجه دعوة إلى بيتري لعقد حوار معها وسؤالها عن سبب كراهيتها للإسلام، وأبلغ صحيفة "دي فيلت" يوم الخميس الماضي، أنه ما زال ينتظر ردها، رغم أنه يعلم أنه ليس من المتوقع أن يعدل قادة الحزب الشعبوي موقفهم تجاه الإسلام، لأنهم يعتمدون على نشر العداء للمسلمين والإسلام كما جاء في برنامجهم السياسي، في صعود حزبهم، ومهما كان مزيك قوي الإقناع فإن الحوار مع هؤلاء مجرد إضاعة للوقت وخدمة لوسائل الإعلام ليس أكثر.