بقلم - هارون يحيى:

أثارت انتقادات إدارة الرئيس الأمريكي ترامب للأمم المتحدة وإعلان عزمها تخفيض مساهمتها المالية في ميزانيتها قبل بضعة أشهر، اهتمام المجتمع الدولي، وتركيزه من جديد على هذه المنظمة وطرق تسيير أعمالها. وقد أشار ترامب، الذي يعتبر من أشد منتقدي الأمم المتحدة، إلى أن مساهمة بلاده في ميزانية المنظمة غير متناسبة، مشدداً على الخلل الذي يعتري طريقة أداء عملها حيث يصفها بأنها «مجرد ناد يجتمع فيه الناس، للتحدث فيما بينهم والتمتع بأوقات مسلية».

من المهم طرح السؤال حول السبب وراء مثل هذا القرار من إدارة ترامب، الذي قد يشير إلى الفكرة القائلة إن الأمم المتحدة مختلة بشكل خطير في أداء مهامها، وغير فعالة في حماية المدنيين المحاصرين في خضم النزاعات.

من أبرز مهام المنظمة، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، حماية السلم والأمن الدوليين، ودائماً وفقاً لهذا الميثاق، يتعين على الأمم المتحدة، في حال تطور وضع ما في جزء من العالم، من شأنه أن يهدد السلام والأمن، التدخل فوراً واتخاذ تدابير سلمية لتدارك الوضع، أما في حالة عجز التدابير السلمية المتخذة في تحقيق ذلك، يعتبر العمل العسكري من أكثر الطرق استخداماً، بفضل قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، باعتبارها الجهات الفاعلة المكلفة بهذا الغرض.

تؤكد الوقائع التاريخية أن الأمم المتحدة أثبتت فاعليتها إلى حد كبير في التغلب على العديد من الأزمات الدولية في الماضي، لكن بالمقابل، يبين لنا التاريخ أن الأمم المتحدة فشلت أيضاً في إيجاد حلول فعالة في عدد كبير من الأزمات والحروب. وغالباً ما يكون السبب الأساسي وراء عدم فاعلية الأمم المتحدة وعجزها، تركيبة مجلس الأمن الدولي المؤلف من 5 أعضاء دائمين (أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا) وما تخوله لهم عضويتهم من «حق النقض».

ولا يمكن لأي قرار دولي، يواجه نقضاً من أحد الأعضاء الخمسة الدائمين، أن يتجاوز عتبة المجلس، مع التذكير أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تضم 193 عضواً، في حين يظل صانع القرار في نهاية المطاف هو مجلس الأمن مثل إصدار حظر أو الموافقة على تدخل دولي أو تشكيل قوة لحفظ السلام.

في الواقع، لا يمكن نفي فائدة حق النقض، كقوة لها مفعولها الكبير والإيجابي عندما تستخدم بشكل عادل وفي الوقت المناسب ودون تحيز، لكن من الناحية العملية، يبين لنا الواقع بوضوح أن هذه السلطة قد استخدمت من حين لآخر، لتحقيق المصالح القومية للدول المعنية، صاحبة هذا الحق.

ومن الانتقادات الأخرى التي وجهت لنظام الأمم المتحدة، عدم وجود - من بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن- دول تمثل 1.7 مليار مسلم في العالم، رغم أن الغالبية العظمى من الكوارث والأزمات التي تحدث في جميع أنحاء العالم، ضحاياها من المسلمين. وقد اتخذت الأمم المتحدة 1782 قراراً، بين عامي 1946 و2010، و47٪ من هذه القرارات تتعلق بالدول الإسلامية والشرق أوسطية.

تُعد الزيادة الملحوظة في الجرائم، مثل الاعتداءات والاستغلال الجنسي من قبل بعض أعضاء قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في السنوات الأخيرة من بين الجراح الغائرة في جسم المنظمة، وقد وُجِهت 69 دعوى تتعلق بالاعتداء والاستغلال الجنسي ضد أفراد قوات حفظ السلام في عام 2015 وحده، مما لا شك فيه أن كل هذه الحوادث تضر بمصداقية الأمم المتحدة، وهو ما جعل على ما يبدو، الأمين العام أنطونيو جوتيريش، يشدد على «واجب إصلاح عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة». ولذلك يجب أولاً وقبل كل شيء، النظر إلى كل إساءة في استخدام المهمة المقدسة لإحلال السلام والراحة والأمن والرفاه لصالح الأشخاص الذين يتعرضون للاضطهاد والظلم، باعتبارها جريمة ضد الإنسانية.

وليست فقط عمليات حفظ السلام وحدها التي تحتاج إلى إصلاحات واسعة للتغلب على الحواجز التي أبقت الأمم المتحدة سلبية في أداء مهامها وغير فعالة في التعامل مع أعظم الأزمات في العالم لسنوات، بل يجب أن يشمل هذا الإصلاح المنظمة ككل، ولهذا الغرض من الضروري إنشاء لجنة تتألف من ممثلين عن جميع الدول الأعضاء، يعملون بتضافر الجهود، من أجل إدخال تحسينات على النظم التقنية والقانونية في هذا الصدد واتخاذ القرارات عن طريق تصويت الأغلبية.

وبعد إدخال الإصلاحات واتخاذ التدابير الجذرية، يتعين إعادة النظر في مهمة «حفظ السلام» الأساسية للأمم المتحدة بأسرع الطرق الممكنة وأكثرها كفاءة. إن العالم بحاجة ماسة إلى أمم متحدة فعالة وعادلة وقوية وموثوق بها، يمكن في ظلها تحقيق وحدة جميع البلدان.

 

كاتب تركي