بقلم : د. خالد التيجاني النور (كاتب وصحفي سوداني) ..
تصادف هذا الأيام ذكرى مرور سبع سنوات على تقسيم السودان رسميا إلى دولتين الذي احتفل به في التاسع من يوليو/ تموز 2011، بميلاد دولة جنوب السودان بعد الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان الذي جرى قبلها بستة أشهر في نهاية فترة انتقالية امتدت ست سنوات بموجب اتفاقية السلام الشامل التي تم توقيعها في العام 2005 إثر مفاوضات ماراثونية تطاولت جولاتها التفاوضية لأكثر من عشر سنوات لإنهاء الحرب الأهلية في السودان التي بدأت أول شراراتها بتمرد في بلجة توريت بجنوب السودان في منتصف العام 1955 قبيل أشهر معدودة من نيل السودان لاستقلاله.

وتتبارى بهذه المناسبة نخبة من الأقلام السودانية في جدال ساخن حول الطرف الذي يتحمل المسؤولية عن إقرار حق تقرير المصير وما قاد إليه من قبول بإجراء استفتاء مارسه مواطنو جنوب السودان، وأدى لما يعرف في الأدبيات السياسية السودانية بـ»انفصال الجنوب»، ومأزق هذا الجدل أنه يأتي في إطار صراع سياسي إقصائي محموم لا يبدو معنياً بقراءة عميقة وفاحصة لجذور الأسباب التي أدت إلى هذا المصير بتفتيت السودان الموحد، بقدر عنايتها بالبحث عن خصم سياسي تعلّق عليه مسؤولية ما حدث، وهو نقاش لا يتعدى عند الطرفين سقف تحديد من بادر إلى إدخال مفهوم تقرير المصير، هل هي الحركة الإسلامية السودانية ونظامها الحاكم التي وصلت إلى السلطة بانقلاب عسكري في العام 1989، أم هم معارضوها في التجمع الوطني الديمقراطي الذي ضم طيفا واسعا من المعارضة الشمالية وفي قلب هذا التحالف كان تشارك الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق.

كانت فكرة الانفصال شعاراً منبوذاً عند النخبة الشمالية حتى عندما كانت تنادي بعض جماعات النخبة الجنوبية على استحياء بادئ الأمر بمطلب الفدرالية وتعتبره مرادفاً للانفصال، وكانت تعتبره من إنتاج الاستعمار البريطاني، عبّر عنه هتاف مشهور:

No federation for one nation, Down.. Down Colonization
ويُعزا في التاريخ السياسي السوداني سبب تفاقم مشكلة الجنوب، التي بدأت تعبيراً عن الفوارق التنموية، في الشمال الأكثر ازدهاراً نسبياً، والجنوب المتخلف، إلى ما يٌعرف بـ»سياسة المناطق المقفولة» التي حظرت التواصل بين شقي السودان، لإيقاف مد التأثير الإسلامو - عروبي، بيد أنه سرعان ما تبين أن انعدام الثقة بين الشمال والجنوب لا يمكن إلقاء اللوم فيه كله على الاستعمار، فقد وافق زعماء الجنوب في مؤتمر نظمته الإدارة البريطانية بمدينة جوبا عام 1947 على البقاء ضمن سودان موحد، بدلاً عن الانضمام لاتحاد شرق إفريقيا الذي كانت تديره بريطانيا، شريطة أن يحظى بسياسة تمييز إيجابي تسهم في رتق الفوارق التنموية بين الشمال والجنوب، وقد صوّت النواب الجنوبيون في البرلمان السوداني إلى جانب استقلال البلاد في 1956، بعد تلقيهم وعداً بمنح الجنوب وضعاً فدرالياً وهو ما لم يحدث، وأصبح مثار اتهام للساسة الشماليين بالتنكر للمواثيق والعهود.

وخلافاً لحركة التمرد الجنوبية الأولى في ستينيات القرن الماضي التي رغم رفعها لشعارات انفصالية، إلا أنها أبرمت اتفاق سلام مع نظام نميري العسكري في 1972 حافظ على وحدة السودان مع منح الجنوب حكماً ذاتياً، ونعمت البلاد بسلام دام أحد عشر عاماً، إلا أن التمرد عاد مجددا في العام 1983 على خلفية اتهام نظام نميري بالتنكر للاتفاقية بتقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم، ثم اتخذ إعلان النظام في وقت لاحق لتطبيق «الشريعة الإسلامية» سبباً إضافياً، جاءت حركة التمرد الجديدة بقيادة جون قرنق متجاوزة للطرح الانفصالي منادية بوحدة السودان على أساس جديد فيما يُعرف بمشروع «السودان الجديد» الذي يهدف إلى إعادة صياغة الدولة على أسس علمانية، رهاناً على أن الأكثرية من قوى الهامش السوداني ذات أصول زنجية، وهو طرح أسهم، بجانب مكاسب الحركة الشعبية لتحرير السودان العسكرية، إلى تعزيز وجودها بقوة في قلب النظام السياسي السوداني، بعدما ظل النظر إلى قضية الجنوب بمعزل عن المركز هو السائد.

بيد أن انشقاقاً دبّ في قيادة الحركة الشعبية بعد انقلاب قاده رياك مشار ولام أكول على زعامة قرنق، في العام 1991، أعاد مرة أخرى إلى الواجهة مطلب انفصال الجنوب، في مواجهة أطروحة السودان الجديد الموحد، وفي ظل صراع مرير على السلطة في الخرطوم بين نظام الحركة الإسلامية الذي كان وصل للحكم بانقلاب 1989 والذي كانت أحد مبرراته التصدي لتمدد الحركة الشعبية بزعامة قرنق، وبين معارضيه من القوى الشمالية في التجمع الوطني جرت حركة استقطاب حادة وسباق بين الطرفين للاستنصار بالقوى الجنوبية المتنازعة، غلبت فيه الاعتبارات التكتيكية على الأبعاد الاستراتيجية.

وفي سبيل إضعاف جناح قرنق الذي كانت تعتبره الخرطوم العدو الأكبر، سارعت إلى استمالة المنشقين في جناح مدينة الناصر بقيادة مشار/أكول، حيث عرضت عليهم في مفاوضات سرية جرت في فرانكفورت عام 1992 على منح الجنوب حق تقرير المصير، وهو يعني حق الانفصال، قادت ضغوط الجناح الانفصالي المنشق على قرنق إلى قبوله أيضاً بحق تقرير المصير/ الانفصال لجنوب السودان متخلياً عن أطروحة السودان الجديد الموحد، ودعمت القوى السياسية الشمالية المعارضة هذا التوجه أيضاً في مؤتمر عقدته في أسمرا في العام 1995، وبذلك أصبح حق تقرير المصير فعلياً محل إجماع كل القوى السياسية السودانية الشمالية والجنوبية، الحاكمة والمعارضة.

ولكن ذلك يؤكد حقيقة أن نظام الحركة الإسلامية في السودان بصفته حاكماً هو من بادر، فضلاً عن إضفاء شرعية دستورية وسياسية على حق تقرير المصير، وبالتالي تقسيم البلاد، وانفصال الجنوب، وذلك بإبرامها اتفاقية الخرطوم للسلام في عام 1996 مع القوى الجنوبية المناوئة لقرنق التي تضمنت حق تقرير المصير، ثم عززته بإبرام اتفاقية السلام الشامل في 2005 مع الحركة الشعبية بقيادة قرنق التي تضمنت ممارسة الاستفتاء لمواطني الجنوب لتقرير المصير الذي انتهى بالانفصال في العام 2011.
ولكن بغض النظر عن الطرف الذي يتحمل المسؤولية الأكبر في تقسيم السودان، هل حقق ذلك السلام والاستقرار في البلدين؟ في الواقع تفيد تجربة السنوات السبع الماضية إلى أنه كان الإجابة الخاطئة للسؤال الصحيح فقد أعاد التقسيم إنتاج الأزمة الوطنية في شطري السودان الكبير.
  

khalidtigani@gmail.com