بقلم - صلاح الدين الجورشي:

«الخوف» عنوان مسرحية جديدة من إخراج رجل المسرح المعروف «الفاضل الجعايبي» ونص زوجته المبدعة «جليلة بكار». والمسرحية شهادة قاسية لفنانين من الحجم الثقيل عن المرحلة الحالية التي تمر بها التجربة التونسية بعد سبع سنوات من الثورة الفجائية والسريعة التي أطاحت بحكم الرئيس بن علي.

«الخوف» من ماذا ؟. الخوف من الحاضر والمستقبل. حتى قبل أن يسود الظلام ويبدأ العرض، يشعر الجمهور بأن حدثاً غير مطمئن سيقع باعتبار أن الغبار الذي ملأ فضاء المسرح ليس سوى مقدمة لعاصفة هوجاء قادمة من مكان بعيد لتقذف بمجموعة تنتسب لفريق كشفي وجد نفسه بسبب هذه العاصفة محشوراً في بناية مهجورة كانت من قبل مستشفى قبل أن يهمل ويتداعى للسقوط.

كلما حاول أعضاء الفريق أن يبتعدوا عن هذا المكان الموحش إلا وأجبروا على العودة إليه رغم كل المخاطر ورغم ما أبدوه من مقاومة. هذه البناية ليست سوى تونس، وهذا الفريق ليس سوى الشعب التونسي بأفراده ونخبته، وهذه العاصفة ليست سوى الثورة التي اندلعت، ولكنها إلى حد هذه الساعة لم تستقر تداعياتها، ولم تفض إلى الوفاء بوعودها.

لا يمكن اتهام منتجي المسرحية بكونهم من أعداء التغيير، وأنهم من أزلام النظام السابق الذين يعملون صباحَ مساءَ وحتى يوم الأحد من أجل التشكيك في الخيار الثوري والديمقراطي، والذين ليس لهم من دور سوى بث اليأس في صفوف التونسيين حتى يندموا عن سكوتهم أو مساندتهم من تمردوا على النظام السابق ومنظومة الفساد والاستبداد، بحجة أن الأوضاع كانت الأفضل. على العكس من ذلك ينتمي أصحاب المسرحية إلى تيار اليسار التقدمي. وقد سبق لهم أن أنتجوا مسرحيات عديدة انتقدت بشدة النظام الدكتاتوري، فعلى سبيل المثال كانت مسرحية «خمسون» التي قدمت في أواخر حكم بن علي بمثابة إحدى المؤشرات القوية عن نهاية حقبة سياسية سيئة من التاريخ المعاصر لتونس.

يرفض أصحاب المسرحية من يتهمهم بأنهم أغفلوا الجانب المضيء في الواقع التونسي الراهن، وأنهم أخطؤوا عندما تعمدوا تقديم صورة مظلمة عن تجربة كادوا أن يحكموا عليها بكونها أصبحت حالة «ميئوس منها». هم يعتقدون بأن الفنان غير مطالب بتقديم الحلول للناس لأن مهمته نقدية بالأساس. الفنان من وجهة نظرهم يحذر الجميع وفي مقدمتهم النخب السياسية سواء الماسكة بدواليب الدولة أو المتموقعة في المعارضة، يرفع صوته عالياً عسى أن يفتحوا عيونهم جيداً ويتحررون من الشعور المفرط بالثقة والانتصار، ويراجعون أنفسهم ووسائل عملهم وبرامجهم الفوقية وخطاباتهم المغشوشة.

هي مسرحية ضد النخبة العالمة والتي اعتقدت بأنها قادرة على قيادة شعب يبحث عن قيادة بديلة وذكية وجريئة وصادقة وديمقراطية. لكن بعد سبع سنوات، تراكمت الأخطاء، وتعددت المآزق، وجاء الحصاد محدوداً وغير مقنع، وعادت رائحة الفساد لتزكم الأنوف بشكل أشد مما كان عليه الأمر من قبل. وتضاعفت الأسعار، وتضخمت نسب البطالة، وتصاعد حجم الديون، وهيمنت الأنانية على الجميع، ومل التونسيون بسرعة وعود الأحزاب وكذبها، وفقد الخطاب السياسي جاذبيته، وانخرط الإعلام في جوقة التشكيك في كل شيء بما في ذلك الخطاب السياسي ومشروعية الثورة والبديل الديمقراطي وحتى فكر الدولة الوطنية ومؤسساتها الرئيسية. وتحول الحلم لدى الكثير إلى ما هو أشبه بالكابوس. لقد امتدت الأيادي لسرقة الثورة ومسخ الديمقراطية.

قد يقول قائل: ولكن هذه ليست سوى عمل مسرحي لا يمكن الاستناد عليه للحكم على تجربة من تجارب التحول الديمقراطي الأولى من نوعها في عالم عربي ملغم ومنهار.

صحيح أن تونس لم تتحول إلى مبنى منهار ليس فيه سوى الجرذان والأفاعي، ولا يضم إلا جماجم الموتى كما هو الشأن في عدد من البلدان العربية التي أرادت شعوبها أن تمارس حقها في الحرية والكرامة، لكن جاء من أدخلها الكهف مرة أخرى، بل وحشرها حشراً في حروب أهلية رهيبة زادت من حجم المأساة، وحولت بعض هذه الدول إلى غابة موحشة أو مقابر واسعة تنتشر فيها رائحة الموت والجوع والمرض.

تونس مختلفة كثيراً عما يحدث في اليمن أو في ليبيا. لكن ما يخشى حقا أن تونس لن تبقى طويلاً بعيدة عن مثل هذا المصير المخيف إذا لم تنتبه نخبها السياسية والمالية والثقافية إلى خطورة المنعرج الذي تمر به البلاد حالياً.

فعلاً الصورة التي قدمتها المسرحية مخيفة ولا تخلو من تضخيم، لكن يخطئ من يستخف بأحاسيس الفنانين الجادين الذين يتمتعون بنوع من الحاسة السادسة، ولهم أحيانا قدرة على أن يروا ما لا يراه السياسيون الذين في الغالب تستهلكهم اللحظة الآنية، وتلهيهم صراعاتهم الضيقة وحساباتهم المحدودة عن رفع رؤوسهم قليلاً ليروا بوضوح حافة الهاوية التي يقتربون منها بسرعة دون وعي منهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

 

نقلا عن موقع «عربي 21»