بقلم- علي الجابري:

ســيدي صاحــــب الســـــمو الشــــيخ تميم بن حمد آل ثاني

أمير دولة قطر المفدى

بعد الاستهلال باسم الله الأعظم

أوجّه لمقامكم السامي رسالتي هذه مشفوعة بتحيات المحبة والإخلاص وعظيم التقدير.

بداية.. اسمحوا لي سموكم أن أتوجّه إليكم بفيض مشاعر عربي مقيم على أرض الخير والعزة والإباء مأخوذ بمواقفكم المشرّفة، وبدفق فكر وعقل يستلهم من وقفتكم الشجاعة مخزون قومية كادت تفقد هُويتها وقيمها جراء حصار جائر يفرضه الشقيق على الشقيق تحوّل بفعل إرادتكم وعزيمتكم ودعم شعبكم وكل المقيمين على أرض الخير أرضكم إلى حصار للمحاصرين وتعرية للإفك والأفاكين، فانتصرت قطر بكم على ذاتها أولاً وانتصرت على محاصريها ثانياً ليس من وجهة نظري فقط، بل من زوايا إقليمية وعالميّة شعبية ورسمية دبلوماسية وسياسية واقتصادية وثقافية.

وأستميح سموكم عذراً في اقتباس بعض ما أورثه المتنبي لنا من بليغ القول والحكمة بقوله:

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ

وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ

وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها

وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ

بَنَاهَا فأعْلى وَالقَنَا يَقْرَعُ القَنَا

وَمَوْجُ المَنَايَا حَوْلَها مُتَلاطِمُ

ألا أيّها السّيفُ الذي لَيسَ مُغمَداً

وَلا فيهِ مُرْتابٌ وَلا منْهُ عَاصِمُ

امضِ إلى العلياء بكل همةٍ.... ودع عنك كل مغتاظٍ أو متشكك

سيدي صاحب السمو..

موضوع رسالتي ليس طلب عطية أو تشفعاً في أحد أو مجاملة أو نفاقاً ولكنه خلاصة ست وثلاثين من السنين عشتها بين أكنافكم عربياً مقيماً مكرماً أعمل معكم في ظلال من الأمن والأمان والرخاء إلى أن وقعت الواقعة أزمة الشدّة بالبهتان والظلم فانصهرت فيها مع أهلي من المواطنين القطريين وإخوتي من المقيمين صموداً وتحدياً وعملاً مضاعفاً في ثورة ردّ بعض الجميل لهذا الوطن وغضبٍ على كل أفاك عتل بعد ذلك زنيم.

ودفعتني سيدي إلى مخاطبتكم عبر هذه الرسالة كلمات أجملت وأوجزت وكانت فصل الخطاب تلك التي وجهتموها إلينا كمقيمين وإلى شعبكم الكريم من خلال خطابين ضافيين الأول في مطلع أغسطس المنصرم والثاني في أواخر سبتمبر الجاري من أعلى منصة عالمية في الأمم المتحدة فأخذتني الحماسة واستبدّ بي الشعور بالعزة والكرامة والأنفة فوددت أن أعبّر لسموكم عن مدى فخري واعتزازي بكم.

وأقول لقد شعرت وأنا أستمع لسموكم في خطابكم الأول ثم الثاني وكأنني أعود لأصحو من جديد على عروبتي الضائعة في خضم بحر من الأحقاد والخصومات والنزاعات الفاجرة بين «عربان» اليوم والتي كادت أن تعيد الكثير منا إلى جاهليتنا الأولى بين تقاتل في اليمن وفتن مميتة في ليبيا وحصار غير مسبوق لدولة قطر.. إلى أن بلغت كلماتكم ومواقفكم شغاف القلوب وثنايا العقول بالحكمة والشجاعة والثبات على القيم والمبادئ التي أدّت إلى ارتفاع لواء الأمة من جديد ورفعت هامات أبنائها شرفاً وعزة.

فبالأمس القريب كان الواحد منا يطأطئ الرأس خجلاً وذلاً إزاء ما وصل إليه حال أمتنا من تناحر بين دولنا ومهانة تتبعها عزة في فلسطين لدرجة كنا نردّد بين أنفسنا ذلك القول المأثور..»يتقاتلون على بصلة.. على فجلة.. على حزمة برسيم.. ويعلقون على باب جامعة الدول العربية قوله تعالى «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا».. وبلغ حال اليأس بنا من أوضاعنا كعرب والتي تجرأ فيها الأخ على قتل أخيه واستباح البعض منا حرمات الآخر وحاصر بعضنا بعضاً مثلما حدث لقطاع غزة ويحدث لقطر وما يجري الآن في اليمن وليبيا وغيرهما من أقطار الوطن الكبير.. لدرجة وصلت بنا إلى أن يرتكب واحدنا أبشع المنكرات بحق الآخر كتقطيع الأرحام وأواصر الدم والقربى.

غير أن عتمة الليل لن تدوم.. وحبل الكذب والظلم والقهر قصير مهما طال.. والحق أحق أن يتبع.. فسرعان ما ينجلي الليل بعتمته عن صبح مشرق ويتسيّد الحق وينتصر على الباطل.

هذه الحقيقة لمسناها ووعيناها جلية ناصعة في خطابيكم .. في صراحتكم المعهودة في وضوح حجتكم التي لا لبس فيها.. في ثبات مواقفكم وتمسككم بالقيم والأخلاق الرفيعة.. في إرادتكم الشجاعة.. وفي صمود شعبكم ووقوف المقيمين معكم مع الحق والحقيقة.

وبذلك أعدتم إلينا سيدي تلك الروح الأبيّة المغيبة فينا وبتنا على يقين راسخ أن الزعامة «سيدي» لا تشترى بالمال والرشى ولا تتحقق الوجاهة بالكذب والتدليس ودعم الأفاقين المأجورين أو بالبغي والاحتلال والغدر والنكال.. بل تنال بالصدق والمحبة والوفاء والشفافية وتماهي الشعب في قيادته.

آه سيدي كم تعطش جيلنا الستيني والسبعيني الذي حرم طيلة نصف قرن مضى من نفحات العزة والإباء العربية إلى أن بدأنا نتنفسها صافية نقية ونحن نتابع كلماتكم كلمة كلمة ومواقفكم خطوة خطوة، فها أنتم قد عدتم بيمن الله ورعايته إلى أرض وطنكم وعقب طرحكم القوي والواقعي لأبعاد وماهيات أزمة حصارنا، قد أعدتم إلينا ثقتنا بأنفسنا وعروبتنا وقيمنا الأخلاقية الأصيلة مثلما أعدتم للوفاء والصدق معانيهما المفقودة..

وتأكدنا بما لا يدع مجالاً للشك أن المحن لا تغلب الرجال بل تصنع الأبطال.. وأن الصدق والوفاء ديدن الأحرار.. فلا الحصار غلبنا أو حتى فتّ في عضدنا ولا الكذب والقهر أرعبنا.. بل نحن بقيادتكم (مواطنين ومقيمين) من يضع الآن طوق الحصار حول رقاب المحاصر.. وهو ما تجسد في ثباتنا جميعاً وراء قيادتكم واصطفافنا لاستقبالكم لدى عودتكم الميمونة سالمين غانمين، واسمح لي أن أتوجّه لسموكم بالقول «حين نتأمل وضع وطننا الكبير بين الغنى الطبيعي والبشري والثقافي وبين مستوى التخلف والتآمر والعنف وسحق ثقافة التعبير وهي ممارسات معاكسة لغايات الممارسات السياسية الذكية التي تنبني على التدبير العقلاني للاختلاف ومقاربة «صفر مشاكل» مع دول الجوار.. وحين نرى مشاهد الجوع والعطش وانتشار الأمراض والأوبئة وعدم التبصر بحرب البسوس في اليمن التي لا تكاد تنتهي ويعمقها إعلام «سوق عكاظ» يكاد يصيبنا اليأس.. لكننا وبعد أن استمددنا من مواقفكم المشرّفة عزيمة الرجال وأصالة «بني تميم» المتجسدة في شجاعة وإقدام القعقاع بن عمرو.. وحلم الأحنف بن قيس..

نقول لكم وبكل ثقة.. ستبقى يا وطن الأحرار «قطر» حراً أبياً عربياً عزيزاً بقيادتك وشعبك.. وستبقى أيها الوطن ترنيمة في أغاني المخلصين من أبنائك وعلى شفاه الضارعين من محبيك وفي دموع الفقراء البائسين في غزة والصومال وسوريا والسودان في القلوب الخضر التي تعشقك.. في الأضلع التي تحتويك.. في كل العيون التي تحتفظ بك بين أهدابها وفي حدقاتها..

وستبقى كما قال مؤسسك «كعبة المضيوم».

وبك الهامات ترقى إلى العلا

كاتب وصحفي أردني