غالبية الألمان يؤيدون إلغاء عضوية بلادهم في اتفاقية شنجن

برلين -  الراية  :

لم يسبق أن واجهت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مثل هذا الاستقبال الفاتر من قبل نواب الاتحاد المسيحي في البرلمان الألماني. فحينما سارت إلى المنبر لتلقي بيانا حكوميا قبل يوم واحد على انعقاد القمة الأوروبية في بروكسل، أرادت توضيح سياستها تجاه اللاجئين، وما تسعى إليه لتفادي حصول انقسام في أوروبا حول هذه الأزمة، وذلك في ضوء إعلان دول مجموعة ما يسمى "فيشجراد" وهي سلوفاكيا والتشيك وهنجاريا وبولندا، المعارضة لاستضافة لاجئين.

وبينما كانت ميركل تعلن الخطوط العريضة لخطوتها القادمة، والتي تدعو إلى تعزيز التعاون مع تركيا، وتقديم الدعم لها، لكي تعمل على وقف هجرة اللاجئين عبر البحر إلى اليونان ثم بلدان الاتحاد الأوروبي، وراحت تناشد الأوروبيين لتفادي حدوث انقسام في أوروبا معلنة رفضها تشييد سور في مقدونيا لمنع اللاجئين القادمين براً من اليونان، من مواصلة طريقهم إلى شمال أوروبا، لوحظ أن النواب الذين ينتمون إلى الاتحاد المسيحي الاجتماعي البافاري، كانوا يترددون في التصفيق لميركل، تعبيراً عن امتعاضهم تجاه سياستها تجاه اللاجئين ومساندتهم للزعيم البافاري هورست زيهوفر الذي يعارض سياستها تجاه اللاجئين.

وحسب المراقبين، فإن تصرفهم، علامة واضحة على استمرار النزاع بين ميركل وبين زيهوفر، رئيس الحكومة المحلية في ولاية بافاريا ورئيس الاتحاد المسيحي الاجتماعي البافاري، الذي يضغط عليها منذ وقت، كي توافق على تحديد سقف لعدد اللاجئين الذين يتم السماح لهم بدخول ألمانيا.

ويقول زيهوفر أن ولايته التي لها حدود مع النمسا، يستخدمها اللاجئون كمعبر إلى الولايات الألمانية وإلى الدول الاسكندنافية، وقد سبق لزيهوفر أن اتهم ميركل بنهج "سلطة الظلم" فيما يتعلق بأزمة اللاجئين، وهذا التعبير كانت حكومات ألمانيا الغربية في الماضي، تستخدمه عند انتقاد نظام ألمانيا الشـرقية السابقة.

وقد رفضت ميركل التعليق على هذا الانتقاد الجارح وكررت في كافة المناسبات، تمسكها بسياستها تجاه اللاجئين ومعارضتها لمطلب زيهوفر، شريكها في الائتلاف المسيحي/الاشتراكي الحاكم، بإغلاق الحدود في وجه اللاجئين، معتبرة سياستها خطوة إنسانية.

وتواجه ميركل ضغوطا في الداخل وفي أوروبا بسبب سياستها تجاه اللاجئين، حيث يعتبر منتقدوها أن التنازلات التي قدمتها حتى الآن، مثل تشديد قانون اللجوء والتعجيل في إبعاد اللاجئين الذي يُرفض طلب لجوئهم وغالبيتهم من دول جنوب وشرق أوروبا، ليست كافية للحد من تدفق اللاجئين إلى ألمانيا وأوروبا.

وتعتمد استراتيجية ميركل إلى حد كبير على التعاون مع أنقره، غير أنها ترفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي والعمل بدل ذلك في عقد اتفاقية تعاون بينهما، إضافة إلى مساهمة حلف شمال الأطلسـي "ناتو" ، بقيادة ألمانيا، في مهام حماية بحر إيجه لوقف عمليات تهريب البشـر إلى اليونان.

وتسعى ميركل إلى إيجاد حل لأزمة اللاجئين من خلال التغلب على أسباب فرارهم من بلادهم، حيث قامت مؤخرا بإيفاد وزير الداخلية الألماني توماس دوميزيير إلى أفغانستان، الذي بحث مع المسؤولين في كابول إمكانية عودة اللاجئين الأفغان المُبعدين من ألمانيا، واقترح إعلان مناطق في أفغانستان بأنها آمنة، تفادياً لانتقاد الألمان بأنهم يقومون بإبعاد اللاجئين الأفغان إلى بلد غير آمن.

كما عززت ميركل دعمها لقوات البشمركة الكردية في المناطق الكردية في شمال العراق ماديا وعسكريا وسياسيا، لاعتقادها أن استعادتهم مناطق كان يسيطر عليها داعش في شمال العراق، تُسهم في عودة اللاجئين الأكراد إلى مناطقهم.

وقد أجرت ألمانيا اتصالات مع حكومات تونس والمغرب والجزائر، وقيل أن برلين تخطط لمساعدة هذه الدول لموافقتها على استعادة اللاجئين المبعدين الذين ينحدرون منها.

وفي الوقت الحاضر تسعى ألمانيا للتوصل إلى تسوية للأزمة السورية، مع بشار الأسد، علما أن ميركل كانت تقول في بداية الحرب الأهلية هناك، أن الأسد فقد شرعيته، وتدعو خطتها إلى إنشاء مناطق محمية للاجئين السوريين داخل الأراضي السورية، وإلى التعاون مع ما يسمى "ائتلاف الراغبين" من أجل تقاسم أعداد اللاجئين الموجودين حاليا في أوروبا.

ولكن الملاحظ أن هؤلاء الراغبين القلائل، مثل فرنسا وبريطانيا والنمسا والسويد، لا يبدو أنهم سيلبون أماني ميركل وتخفيف الضغط عليها، فقد قالت باريس أنها لن تستضيف لاجئين جدد، أما بريطانيا فما زالت ترفض فتح أبوابها أمام اللاجئين قبالة الشاطئ الفرنسي الذين يقيمون منذ أشهر في خيم.

وأصبحت ميركل، التي تتواجد في الحكم منذ عشـرة أعوام، منهمكة في البحث عن حل لأزمة اللاجئين منذ ستة أشهر، وبشكل باتت القضايا الملحة الأخرى أقل أهمية مثل ديون اليونان وأزمة اليورو، والسبب أن ميركل أصبحت تدرك أن فشلها في التغلب على أزمة اللاجئين، قد يقضـي على أمل الاتحاد المسيحي في الفوز بالانتخابات المحلية لبعض الولايات هذا العام وبالانتخابات العامة في نهاية عام 2017.

وخلال ساعات ستجري انتخابات ولايات بادن فورتمبيرج و راينلاندبفالز وزاكسن أنهالت، و في سبتمبر المقبل ستجري الانتخابات في ولايات مكلنبورج فوربومرن وسكسونيا السفلى وبرلين، يشعر أعضاء حزب ميركل بالقلق، من مغبة هزيمة حزبهم، وسوف يحمّلون ميركل مسؤوليتها. بينما غالبية الألمان لم يعودوا يعتقدوا أن ميركل سوف تستطيع حل أزمة اللاجئين، ويؤيدون إلغاء عضوية ألمانيا في اتفاقية "شنجن" الخاصة بحرية تنقل الأفراد والبضائع في عدد من دول الاتحاد الأوروبي.

في نفس الوقت، تشير عمليات استقراء الرأي إلى تنامي شعبية حزب "بديل من أجل ألمانيا" الشعبوي، المناهض للإسلام واللاجئين، والذي سيكون المستفيد الأول من فشل سياسة ميركل تجاه اللاجئين، هذه الأزمة التي ساهمت في عودة هذا الحزب إلى الساحة السياسية الألمانية بعد أن انطفأت شمعته، واحتمال أن يصبح ثالث أكبر حزب في ألمانيا.

وإذا قُدّر وأن نجح في دخول البرلمان فإن السياسة الألمانية ستنقلب رأساً على عقب.