الدوحة - الراية: أكد فضيلة الداعية د.ضيف الله عمر سالم أن الأصل في الأرض هو الصلاح وأن الفساد أمر طارئ لأن الله خلق الخلق كلهم فأحسن خلقهم بما في ذلك الأرض ومن عليها من المخلوقات، موضحاً أن الصلاح هو كل ما شرعه رب العالمين والفساد هو كل ما خالف شريعة الله وهداه وعليه فإن معنى بعد إصلاحها أي ببعثة الرسل وإنزال الكتب وهداية الناس إلى ما فيه الخير.

وأشار إلى أنّ المطلوب من الإنسان الذي أنيطت به خلافة الأرض كما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أن يعمرها ويحفظها ويكون أميناً عليها وإن لم يفعل ذلك ولم يحافظ على هذه النِعم الّتي منحه الله إيّاه، فالعقاب الشديد بانتظاره، حيث قال تعالى: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

وأوضح د.ضيف الله في محاضرة عن الاستخلاف في الأرض أن الفساد والإفساد في الأرض قد تجلّى من خلال مظاهر عديدة منها انتشار الكفر والصدّ عن سبيل الله و النِّفاق وقتل النفس وبخس الموازين والتطفيف بالكيل وقطع الأرحام والإسراف ومجاوزة الحدّ في الغيّ والتمادي في المعاصي وارتكاب المنكرات والفواحش.

مقتضيات الخلافة
وأضاف: لقد خلق الله الإنسان لرسالةٍ تتضمن عددًا من المبادئ السامية المبدأ الأول: أنَّه خليفةُ الله في الأرْض، وبمقتضى الخِلافة مسؤول عن عمَلِه؛ قال - جلَّ شأنُه - في سياق الامتنان على بني إسرائيل: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.

وأشار إلى أن المولى عز وجل ربَط بيْن الخِلافة والعمل، فخرابُ الأرْض وتدميرها يكون سببًا في عدمِ استحقاقِ الإنسان لهذه الخِلافة، موضحاً أن الله تعالى قد أتاح للإنسانِ فُرصًا مناسبة لعِمارة هذا الكوكب.

عمارة الأرض
وذكر أن المبدأ الثاني لخلق الله للإنسان، يتضح من قوله جلَّت قدرتُه ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾، منوهاً بأنه لكي تتضح معالِم هذه العِمارة فإن المولى سبحانه يقول ممتنًّا على ثمود: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.

ولفت إلى أنه إذا كانَت غاية خلْق الإنسان الاستخلافَ والعِمارة، فإنَّ الغاية الأسْمَى لخلْقه عبادة الله وتَقديسه وتَمْجيده: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونَ﴾.

وأكد د.ضيف الله أنه حتى تتحقق هذه المبادِئ، فقد ذلَّل الله للإنسانِ الصِّعابَ، وجعَل الأرض عروسًا تُكسَى بنباتٍ سُندسي، يُستظلُّ بشجرِها، ويُنتفَع بثِمارِ نباتها، ويَنهل من معينِ مائها؛ ليكونَ كل ذلك رِزقًا له، وبفِطرة هذا المخلوق هدَى الله آدمَ وزوجَه بعد أن أكلاَ من الشجرة التي نهاه الله عنها، فاتَّخذ من أوراقِ الشجر ثيابًا يستر عورتَه.

أسرار القرآن
وتابع: كلَّما قرأنا القرآن، وتأمَّلنا في أسراره، نبَّهَنا على ارتباط الإنسان بالأرض؛ لأنَّها سِرُّ كينونته، مشدداً على أنَّ الإسلامَ المستمد مبادئه مِن الكتاب والسنَّة يعمل على استقرار الحياة، محقِّقًا التوازن البيئي الذي يُحافِظ على هذه الأرض.

وضرب د.ضيف الله عدداً من الأمثلة على ذلك من بينها أن الله تعالى أمر الإنسان المؤمِن بالنظافة، فاشترَطَ عليه طهارةَ البدن والثوْب والمكان، وأوْجَب عليه غسل بدنِه كلِّه، فقسم الغسل إلى واجب ومسنون، كما أوْجَب عليه الوضوء، والغاية مِن غسْل أعضائه الظاهرة النَّظافة، كما حثَّه على دخولِ المسجد، وأمَرَه بأن يتعطَّر، وأن يأخذَ زِينته فيها. كذلك نهَى الله - سبحانه وتعالى - عن تلويثِ الطريق بالأَذَى عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: "اتَّقوا الملاعِنَ الثلاث: البَراز في الموارد، وقارِعة الطريق، والظل".

مناسك الحج
وأضاف: إذا تأمَّلْنا في مناسكِ الحجِّ، فإنَّ الله ورسولَه أمَر المسلمين بألاَّ يَقْتُلوا حشرةً، ولا يَقْطعوا شجرةً، ونهاهم عن الصَّيْد فيه، كما نَهَى عن إتلافِ الحيوانات بالصَّيْد، فأوْجب على كلِّ مسلم ألاَّ يصيدَ إلا بقصْد الانتفاع.
وقال إنه عندَ مواجهتِه مع الأعداء فقد قصَر الإسلام هذه المواجهة في ميدان الحرب، فنهى عن قتل الأطفال والنِّساء والمسنِّين، وتدميرِ المعابد حتَّى ولو كانت لغير المسلمين، كما نَهاهم عن كلِّ ما ينتفع به، نهاهم عن قطْع للأشجار، وتلويث للأنهار، وإتلاف لجميع الأحياء البريَّة والبحرية، مضيفاً إن الله حرَّم على المسلِم كلَّ شيء ضارٍّ يمسُّ بدنه، ويُلحِق به الأذى، كأكْل الميتة، وشُرْب الدم، وأكْل لحْم الخنزير، وغير ذلك من المحرَّمات التي ذكَرَها الله في كتابه.

الرفق بالحيوانات
ونوّه إلى أن المولى عز وجل حثَّ المسلِمَ على الرِّفق بالحيوانات بحِمايتها وتربيتها، ولا أدلَّ على ذلك مِن أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أُتي له بإناءٍ فيه وَضوء، فمالتْ هِرَّة إليه، فأصْغَى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الإناءَ إليها، وقال: "إنَّها من الطوَّافات عليكم" فشرِبتْ ثم توضَّأ بسُؤرها؛ أخرجَه أبو داود.
وأكد أن هذه بعض النماذج مِن تعاليم الإسلام، متسائلاً: هل ارْتَقى الإنسان الذي يزعُم المدنيَّة إلى هذه التعاليم؟
وأوضح أنَّ الإسلام أمَرَ الناس بزَرْع ما يقدرون عليه؛ لتتنفسَ الأرض هواءً نقيًّا؛ مشيراً إلى أنه عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "ما مِن مُسلِم يغرِس غرسًا، أو يَزْرَع زرعًا، فيَأكل منه طيْر أو إنسان أو بَهيمة، إلاَّ كان له به صَدَقة".