كتب- نشأت أمين

أكد الداعية د. محمود عبدالعزيز أن الصبر خلق عظيم من صفات الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه مشيراً إلى أنه عز وجل أعد لعباده الصابرين الثواب العظيم والمغفرة الواسعة، مستشهداً بقوله جل وعلا في محكم كتابه {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} وقوله سبحانه: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما أُعْطِي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر).

وأوضح د. محمود عبدالعزيز في محاضرة ألقاها بجامع مزنة الحنزاب بمعيذر الشمالي عن «فضل الصبر» إن للصبر أنواعاً كثيرة، منها: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على المرض، والصبر على المصائب، والصبر على الفقر، والصبر على أذى الناس وإلى غير ذلك من أنواع الصبر.

أنواع الصبر

وشرح المقصود بالصبر على الطاعة قائلاً: المسلم يصبر على الطاعات؛ لأنها تحتاج إلى جهد وعزيمة لتأديتها في أوقاتها على خير وجه، والمحافظة عليها وقد قال جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} كما قال سبحانه {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}.

وبين د. محمود أن الصبر عن المعصية هو أن المسلم يقاوم المغريات التي تزين له المعصية، وهذا يحتاج إلى صبر عظيم، وإرادة قوية، وفي هذا الشأن يقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل المهاجرين من هجر ما نهى الله عنه، وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل).

الصبر على المرض

ولفت إلى أن الصبر على المرض من أنواع الصبر الكبيرة فإذا صبر المسلم على مرض ابتلاه الله به، كافأه المولى عز وجل عليه بأحسن الجزاء، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (من أصيب بمصيبة في ماله أو جسده، وكتمها ولم يشْكُهَا إلى الناس، كان حقًّا على الله أن يغفر له).

ونوه المحاضر بأن صبر المسلم على مرضه سبب في دخوله الجنة، فالسيدة أم زُفَر -رضي الله عنها- كانت مريضة بالصَّرَع، فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لها بالشفاء. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيكِ). فاختارت أن تصبر على مرضها ولها الجنة في الآخرة.

الجزاء العظيم

وقال د. محمود إن الصبر على المصائب له جزاء عظيم عند المولى عز وجل سواء كانت المصيبة في ماله أو نفسه أو أهله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صَفِيهُ من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة).

ولفت إلى أن الصبر على ضيق الحياة ضرورة حيث يتعين على المسلم أن يصبر على عسر الحياة وضيقها، ولا يشكو حاله إلا لربه، وله الأسوة والقدوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه أمهات المؤمنين، فالسيدة عائشة -رضي الله عنها- تحكي أنه كان يمر الشهران الكاملان دون أن يوقَد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، وكانوا يعيشون على التمر والماء.

وشدد على أنه يجب أن يصبر المسلم أيضاً على أذى الناس مستشهداً بقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم إذا كان مخالطًا الناس ويصبر على أذاهم، خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم).

الصبر المكروه

وتحدث د. محمود عن الصبر المكروه قائلاً: الصبر ليس كله محمودًا، فهو في بعض الأحيان يكون مكروهًا. والصبر المكروه هو ذلك الصبر الذي يؤدي إلى الذل والهوان، أو يؤدي إلى التفريط في الدين أو تضييع بعض فرائضه، أما الصبر المحمود فهو الصبر على بلاء لا يقدر الإنسان على إزالته أو التخلص منه، أو بلاء ليس فيه ضرر بالشرع. أما إذا كان المسلم قادرًا على دفعه أو رفعه أو كان فيه ضرر بالشرع فصبره حينئذ لا يكون مطلوبًا.

واستشهد بقول الحق تبارك وتعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا} وعدّد عدداً من الأمور التي تعين على الصبر في مقدمتها معرفة أن الحياة الدنيا زائلة لا دوام فيها والإنسـان ملْكُ لله -تعالى- أولاً وأخيرًا، وأن مصيره إليه جل وعلا.

ومما يعين على الصبر أيضاً التيقن بحسن الجزاء عند الله، وأن الصابرين ينتظرهم أحسن الجزاء من الله، وقد قال تعالى: {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}.

كذلك اليقين بأن نصر الله قريب، وأن فرجه آتٍ، وأن بعد الضيق سعة، وأن بعد العسر يسرًا، وأن ما وعد الله به المبتلِين من الجزاء لابد أن يتحقق.

وأوضح د. محمود أن مما يعين على الصبر كذلك الاستعانة بالله واللجوء إلى حماه، فيشعر المسلم الصابر بأن الله معه، وأنه في رعايته.

والاقتداء بأهل الصبر والعزائم، والتأمل في سير الصابرين وما لاقوه من ألوان البلاء والشدائد، وبخاصة أنبياء الله ورسله.

كما أن الإيمان بقدر الله، وأن قضاءه نافذ لا محالة، وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه هو مما يعين الإنسان على الصبر، ودعا إلى الابتعاد عن الاستعجال والغضب وشدة الحزن والضيق واليأس من رحمة الله؛ لأن كل ذلك يضعف من الصبر والمثابرة.

الصبر خلق الأنبياء

وقال د. محمود إن أنبياء الله صلوات الله عليهم ضربوا لنا أروع الأمثلة في الصبر وتحمل الأذى من أجل الدعوة إلى الله، وقد تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاق في سبيل نشر الإسلام، وكان أهل قريش يرفضون دعوته للإسلام ويسبونه، ولا يستجيبون له، وكان جيرانه من المشركين يؤذونه ويلقون الأذى أمام بيته، فلا يقابل ذلك إلا بالصبر الجميل.

وأكد أن المولى عز وجل قد وصف كثيرًا من أنبيائه بالصبر، فقال تعالى: {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين. وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين}.