يروي صاحب هذه القصة حكايته مع أمه:

حين توفي والدي وانتقل إلى جوار ربه كانت أمي حاملاً بي في أحشائها.. وكان عمرها آنذاك ٢٢ عاماً فقط.. المسكينة لم تهنأ بزواجها رحل عنها والدي بعد خمسة أشهر من زواجهما.. أما كيف توفي رحمه الله كان ذلك إثر حادث أليم أرداه ميتاً على الفور.. حزنت أمي بشدة وبكت عليه كثيراً.. وظل الحزن قابعاً بداخلها سنوات طويلة.. ومازالت تذكره.. ورغم الفترة القصيرة التي عاشا فيها معاً إلا أن تلك الفترة كانت من أجمل سنوات عمرها.. لأنه كان رجلاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. أحبها واحترمها وأغدق عليها الحنان والعطف وكل ما تريد.. وامتد هذا الكرم والسخاء لأهلها.. الذين أحبوه وقدروه.. وحزنوا كثيراً على رحيله. لدرجة أن جميع من تزوج من خالاتي وأخوالي سموا أولادهم على اسمه تخليداً لذكراه وتقديراً منهم له.. بالطبع كانت أمي أولى منهم بإطلاق اسمي على اسمه حين أنجبتني.

المهم .. دارت الأيام ومضت الشهور والسنوات فكرست أمي حياتها لي.. رفضت الزواج من آخر رغم عدد الأشخاص الذين تقدموا للارتباط بها.. وفضلت أن تكرس حياتها وعمرها من أجلي فقط والعيش على ذكرى والدي الراحل.. أتذكر عندما كنت في الثانية عشرة من عمري أن رجلاً من المتقدمين لها لم ييأس.. حاول مرات ومرات وأرسل الوسطاء الحكماء لإقناعها بالموافقة للزواج منه.. لكن دون جدوى.. إصراره وعزمه وعدم يأسه ورفض أمي الشديد للزواج منه أو من غيره جعلني أتدخل رغم صغر سني آنذاك بالحديث مع ذلك الرجل بأن لا يزعج أمي بمحاولاته اليائسة تلك.. وأوضحت له بأن ما من شيء يثني أمي عن موقفها الرافض للزواج والعيش مع رجل غير والدي.. فشعر بالحرج.. ولم يعد بعد ذلك بإلحاحه وإصراره على التمسك بها..

كلما كبرت ازدادت منزلة والدتي ومكانتها عندي وأنا أراها تعاني من أجلي.. رغم الحزن الذي يسكن بداخلها.. فوفاؤها لوالدي الراحل جعلها تكبر في أعين الجميع .. خاصة أنها كانت شابة وجميلة جداً.. لكنها أفنت شبابها وجمالها ودفنتهما وفاءً لزوجها وحبها لي..

أنا الآن في الرابعة والعشرين من عمري.. وهي في السادسة والأربعين من عمرها.. ولم تزل جميلة رغم الحزن الذي يكسو وجهها.. فأنا أقدر كل ما فعلته من أجلي.. ولا أريد من الدنيا سوى رضاها عني وراحتها.. كلما عدت من عملي أو من مكان ما أهرول إليها لتقبيلها على رأسها ويديها... ولا أقدم على الزواج حتى أتأكد من أن الزوجة التي تقبل بي زوجاً أن تتقبل أمي أولاً.. تحترمها.. وتقدرها.. وتبرّها كما لو كانت أمها.. فهذا شرطي فقط في زوجة المستقبل.. أمي أولاً.. ثم أمي ثم أمي.