برلين -  الراية :

أثار اقتراح السفير الألماني فولفجانج إيشينجر رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن، وأبرز الدبلوماسيين الألمان، بالحوار مع الدكتاتور السوري بشار الأسد، تساؤلات عديدة، لكنه سارع إلى توضيح موقفه وقال إنه دعا إلى ذلك إذا كان يخدم السلام في سوريا، ويخفف من معاناة الشعب السوري.

وأكد إيشينجر في حوار له أن ميركل أو وزير الخارجية الألماني لن يصافحا بشار الأسد ولن يسمحا بالتقاط صور معه، فهو ديكتاتور يقتل شعبه، لكن نتيجة التدخل السوري والإيراني لصالحه، غير موازين القوى، بحيث أصبح من الصعب التصور أن مفاوضات جنيف سوف تستمر، لأن الأسد لن يقدم تنازلات وهو يعتقد أن دعم موسكو وطهران له، يساعده في الحسم العسكري لصالحه.

وانتقد إيشينجر بشدة، صمت الغرب حيال سوريا وقال إن الغرب فقد مصداقيته عندما تجاوز بشار الأسد الخط الأحمر ولم ينفذ الرئيس الأمريكي باراك أوباما تهديده بمعاقبته إذا استخدم الأسلحة الكيماوية ضد أبناء شعبه.

وإلى التفاصيل:

أردوغان سياسي من طراز رفيع

> دفعت ممارسات الفصائل الكردية الجيش التركي إلى الزحف على شمال سوريا، وهكذا، دخلت تركيا طرفا مباشرا في الحرب السورية لحماية أمنها، وبرأيك ماذا يعني ذلك بالنسبة للحرب التي تدور غمارها في سوريا منذ أكثر من خمسة أعوام؟

- لقد زادت الأمور تعقيدا في سوريا، والصورة ليست واضحة، وبمعنى أوضح، كل طرف يقاتل الآخر، إنها الفوضى بعينها، ومأساة إنسانية كبيرة، لقد أصبح من المستحيل مواصلة المفاوضات في جنيف بين النظام السوري والمعارضة، لأن الدكتاتور بشار الأسد أصبح يشعر في قرارة نفسه، أنه نتيجة للدعم الروسي والإيراني، لم يعد مُجبراً على تقديم تنازلات لمعارضيه، لأن هذا الدعم هو الذي جعله يبقى في منصبه بعد أن كان يترنح في عام 2015، ويريد الآن الاستفادة من التطورات الجديدة.

> ما هو تعليقك على الدور التركي؟

- تركيا لاعب لا يمكن تجاهله في حل جميع الأزمات الإقليمية، ولقد دلت السياسة التركية عن رصانة، وأن الرئيس رجب طيب أردوغان، سياسي براجماتي من الطراز الأول، فقد قلب موازين الأمور رأسا على عقب، عندما قرر إعادة جسور التفاهم مع موسكو وسعى إلى نهاية العداوة القديمة، وعادت تركيا من جديد لتصبح شريكا مهما للناتو الذي أصبح يتعين عليه تجنب ازدياد التقارب بين أنقره وموسكو.

على الغرب الاستفادة من تركيا

> كثير من المحللين يصفون السياسة التركية بالواقعية؟

- وضعت تركيا أولويات لسياستها، وأنا أستطيع أن أتفهم ذلك، قبل إزاحة بشار الأسد، ينبغي القضاء على تنظيم داعش، وحل النزاع التركي - الكردي، وأنا أطالب الغرب بالحذو حذو تركيا للخروج من المأزق الراهن، لقد فشلت سياسة الغرب تجاه سوريا فشلا ذريعا، وبقاء بشار الأسد في منصبه، يوضح هذا الفشل، لأننا في الغرب لم نفعل شيئا عندما اندلعت الانتفاضة الشعبية ضد نظام الدكتاتور السوري، أما تركيا فقد تفوقت علينا، وفتحت حدودها أمام ثلاثة ملايين لاجئ، ونحن سارعنا إلى الصراخ والعويل عندما دخل بضعة مئات من اللاجئين إلى أراضينا وبدأنا نوجه أصابع الاتهام لبعضنا البعض، وكل طرف في الاتحاد الأوروبي راح يغلق حدوده أمامهم علامة على أنه متعاطف معهم لكنه لا يريد استضافتهم.

الأسد ديكتاتور وقاتل

> هل يمكن أن توضح سبب دعوتك الغرب للحوار مع بشار الأسد؟.. اسمح لي أن أطرح السؤال بصيغة أخرى، هل أخطأ الغرب في قطع قنوات الحوار مع بشار الأسد؟

- نحن مجتمعات ديمقراطية ليبرالية، نعتمد على تأييد الشعوب، وليس بوسعنا ممارسة سياسات "مقرفة"، وإلا فسوف نخسر تأييد الشعوب، كيف يمكن الحوار مع ديكتاتور يُفتك بشعبه منذ أكثر من خمسة أعوام ولم يتورع عن استخدام السلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة للقضاء على أبناء شعبه؟ لا أعتقد أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أو وزير الخارجية في حكومتها، فرانك فالتر شتاينماير، سيوافقان على الفكرة ولن يقبلا أبدا مصافحته أو التقاط الصور معه، ولكنني كنت أفكر عندما اقترحت الحوار مع بشار الأسد بإمكانيات أخرى، مثلا أن يتم ذلك عبر قنوات دبلوماسية، مثل لقاء وزير الخارجية وليد المعلم في نيويورك، أو على مستوى المخابرات، وأود أن أنوه بأنني اقترحت ذلك في حال أن أصحاب الشأن يعتقدون أن ذلك ضروريا من أجل وقف المجازر، ونعلم أن هناك مئات الآلاف من السوريين محاصرون وهم بأمس الحاجة إلى الطعام ومياه الشرب والدواء.

موسكو أنقذت الديكتاتور

> ما هي برأيك أهداف موسكو؟

- لو لم يتدخل الروس عسكريا في سبتمبر 2015 لكان بشار الأسد خسر الحرب، بمعنى أوضح، لقد أنقذت موسكو الديكتاتور السوري من حبل المشنقة، موسكو تريد الاحتفاظ بقاعدتها العسكرية البحرية المطلة على البحر المتوسط والموجودة في مدينة "طرطوس"، وأعتقد أن بوتين سوف يتخلص من بشار الأسد إذا شعر أن علاقته المثيرة للجدل مع الديكتاتور السوري أصبحت تضره، كما أنه لم يجب أحد حتى الآن على السؤال: من سيأتي بعد بشار الأسد؟

الغرب يفشل في سوريا

> ما هو تعليقك على الموقف الصامت للغرب؟

- صمت الغرب منذ انتفاضة مطلع 2011، جعله يجلب على نفسه ذنباً أخلاقياً، لقد كانت سياسة الغرب تجاه سوريا فاشلة منذ البداية. لقد علت أصواتنا تطالب برحيل الأسد، لكننا لم نفعل شيئا لتتبع أقوالنا أفعال، ومن يمارس هذه اللعبة، فإنه يخسر مصداقيته، ولم نفكر بهدف استراتيجي لا سياسيا ولا عسكريا، لقد أضاع الرئيس الأمريكي باراك أوباما فرصة في عام 2012 عندما حذر الأسد من عدم تجاوز الخط الأحمر إذا استخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، ولما تجاوز الخط الأحمر، ولم يفعل أوباما شيئا، كانت هذه لحظة خسارة الغرب مصداقيته في سوريا.

دور معلم الديمقراطية

> في المدة الأخيرة لم تعامل أوروبا الرئيس التركي باحترام، الأمر الذي تسبب بتوتر العلاقات بين الجانبين، كيف تصف هذه العلاقة؟

- برأيي يجب أن نتوقف نحن في ألمانيا وأوروبا عن ممارسة دور معلم الديمقراطية والكف عن توجيه الاتهامات إلى الرئيس التركي، وأعتبر الطريقة التي تعاملنا بها مع تركيا خطأ لا تؤدي إلى شيء سوى إثارة التوتر بين أوروبا وأهم بلد في منطقة الشرق الأوسط، ويجب أن لا ننسى أن تركيا بلد مهم جدا بالنسبة لحلف الناتو، وبرأيي لم يكن سلوك بعض البرلمانيين الألمان جيدا، عندما هددوا بسحب الجنود الألمان من قاعدة "أنجرليك" التركية، بسبب التوتر مع تركيا، أوروبا بحاجة إلى تركيا، لوقف تدفق اللاجئين إلى الاتحاد الأوروبي، وقد لاحظنا أنه قبل محاولة الانقلاب الفاشلة، كان المسؤولون في الاتحاد الأوروبي يسافرون باستمرار إلى أنقره، لكنهم لم يتوقفوا عن السفر إلى هناك بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، وكان هذا خطأ. يجب العمل بسياسة بعيدة عن الأوهام، وضروري جدا عقد لقاء بين أوباما وبوتين لبحث تسوية الأزمة السورية، مثلما كان يلتقي ريجان وجورباتشوف، عندما كانت اجتماعاتهما تُسفر عن نتائج هامة للسلام في العالم، وأعتقد أن المواطنين السوريين المحاصرين، يستحقون ذلك. وإذا أعجبنا أو لم يعجبنا، فإن بوتين استطاع باستخدامه الورقة السورية للعودة في المساهمة بوضع القرارات الدولية، ولم يعد بالإمكان تجاهل دور بلاده بعد اليوم.