غزة ــ العربي الجديد:

يشتكي العامل الفلسطيني رامي مسعود (33 عاما) من تدني أجره اليومي إلى ما دون التسعة دولارات، مقابل عمله الشاق في مجال البناء والتشييد، الأمر الذي يجعله عاجزا عن تلبية احتياجات ومتطلبات أسرته المكونة من أربعة أفراد.

ويقول مسعود، الذي اكتسب مهارات البناء وهو في أواخر عقده الثاني، إنه كان يتقاضى قبل تسع سنوات أجرا يوميا ضعف ما يناله في الوقت الحالي، رغم أنه يجد نفسه مضطرا للعمل لأكثر من عشر ساعات في فصل الشتاء ولنحو 13 ساعة خلال الأجواء الصيفية.

ويوضح العامل رامي لـ "العربي الجديد" أنه أصيب بحالة تذمر عندما حدد له مسؤول البناء أجراً يومياً متدنياً، في ظل ارتفاع وتيرة العمل في قطاع الإنشاءات ومشاريع إعادة الإعمار داخل غزة، محملا النقابات المهنية ووزارة العمل مسؤولية استمرار معاناة عمال البناء وعدم تحديد ساعات عمل ثابتة لهم.

وسمح الاحتلال الإسرائيلي في شهر أكتوبر الأول 2014، بإدخال مواد البناء (الإسمنت والحديد والحصمة) إلى قطاع غزة، عبر معبر كرم أبو سالم التجاري، الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، وذلك وفق آلية المنسق الخاص السابق للأمم المتحدة روبرت سيري، الأمر الذي ساهم في تحريك عجلة البناء وتوفير فرص تشغيل مؤقتة لمئات العاطلين عن العمل.

وبين محمود حمادة (27 عاما) أنه اضطر إلى الاستمرار بالعمل في إحدى ورش البناء في غرب مدينة غزة، بعدما عجز عن إيجاد فرصة عمل أخرى توفر له بعض الأموال التي تساعده على تدبير شؤون حياته اليومية كشاب عاطل عن العمل منذ نحو خمس سنوات.

وذكر حمادة لـ "العربي الجديد" أن مجمل ما يحصله نهاية كل شهر لا يزيد عن تسعمائة شيكل، لقاء عمله اليومي في ورش البناء والإعمار، رغم أن القانون الفلسطيني حدد الحد الأدنى للأجور بقيمة 1450 شيكلا شهريا، (الدولار يعادل 3.9 شواكل).

وتساءل حمادة بلغة التعجب والاستنكار عن سبب تدني أجور العاملين في قطاع الإنشاءات، في ظل زيادة الطلب على شراء مواد البناء وتحديدا مادة الإسمنت المتوفرة بكميات جيدة في الأسواق المحلية، على عكس السنوات الماضية، التي منع فيها الاحتلال إدخال مواد البناء المختلفة.

وكانت سلطات الاحتلال ترفض بشكل قاطع إدخال مواد البناء إلى غزة، منذ فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006، بداعي استخدامها في عمليات معادية، ولكنها سمحت في نهاية عام 2012 بإدخال كميات قليلة من مواد البناء لصالح المشاريع التابعة للقطاع الخاص والمؤسسات الدولية.

بالمقابل، يرجع مقاول البناء، غسان عوض، سبب تدني أجور عمال البناء إلى ارتفاع أسعار المواد الخام المستخدمة في عمليات البناء والتأهيل، وتحديدا بعض أصناف الخشب الذي فرض الاحتلال قيوداً مشددة على إدخالها للقطاع منذ قرابة العام، وكذلك بسبب تراجع عدد العمال المهرة.

وأوضح عوض أن أجرة العامل تتحدد وفق خبراته ومهاراته، ونظرا لطول فترة توقف مشاريع البناء داخل القطاع، فإن مهارات العامل تراجعت بشكل كبير عما كانت عليه في الماضي، مشيرا إلى أن قطاع الإنشاءات يواجه تحديدات صعبة، بسبب الاعتداءات الإسرائيلية بين الحين والآخر وإغلاق المعابر.

وتصدرت المنشآت الإنشائية قائمة أكثر القطاعات الصناعية تضررا خلال العدوان الأخير على غزة، صيف عام 2014، حيث بلغ عدد المصانع الإنشائية التي أصيبت بشكل كلي أو جزئي نحو 149 منشأة، وذلك بهدف إطالة أمد عملية إعادة الإعمار ومضاعفة المشاكل الاقتصادية وتعقيدها.

بدوره، أرجع رئيس اتحادات نقابات العمال في غزة، سامي العمصي، أسباب تدني أجور عمال البناء وعدم تحديد ساعات عمل ثابتة لهم، إلى عدم وجود قانون فلسطيني ملزم يضمن تطبيق الحد الأدنى للأجور في غزة، رغم أن حكومة التوافق الوطني بدأت بتطبيق قانون الحد الأدنى في الضفة الغربية المحتلة.

وقال العمصي إن الأجور المالية للعاملين في قطاع الإنشاءات وإعادة الإعمار، الذين يبلغ عددهم في الوقت الحالي قرابة 33 ألف عامل، تتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بالظروف الاقتصادية المتردية وبالأوضاع الحياتية غير المستقرة في غزة، بجانب المضايقات الإسرائيلية على معبر كرم أبو سالم التجاري.

ووصف العمصي أوضاع العاملين في قطاع الإنشاءات بـ"القاسية"، نظرا لارتفاع معدلات الفقر والبطالة في صفوفهم، مبينا أن إغلاق مراكز التدريب المهني التابعة للحكومة في السنوات الماضية، ساهم بشكل سلبي في تقليص عدد العمال المهرة، وتراجع مستوى الخبرة لديهم.

وشدد على أهمية اتخاذ الإجراءات الفعلية التي تضمن تطبيق مخرجات المؤتمر الدولي لإعادة إعمار غزة الذي عقد في القاهرة بمنتصف شهر أكتوبر 2014، الأمر الذي سيساهم بشكل كبير في إنعاش قطاع البناء وإيجاد المئات من فرص العمل لمختلف الشرائح المجتمعة التي تعاني من البطالة.

يذكر أن مشاريع البناء والتطوير تعد عاملا أساسيا في تحريك عجلة النشاط الاقتصادي المحلي، وفي الوقت ذاته كانت تشكل مصدر دخل لقرابة 121 ألف شخص.