بقلم - جورج علم:

تغلغل تنظيم «داعش» داخل بلدة عرسال اللبنانية عام 2014، وعند المغادرة إلى الجرود اصطحب معه مجموعة من العسكرييّن كرهائن. تمكّن الجيش اللبناني من تحرير تلك المنطقة، قبل أسبوعين، ووجد أن «داعش» قد قام بتصفية رهائنه. ووعد رئيس الجمهوريّة ميشال عون بإجراء تحقيق شفاف لكشف الحقائق، فيما توالت ردود الفعل المشككة.

يعتبر المشككون أن ملفات وطنية كثيرة قد دخلت سراديب التحقيقات، وانتهت إلى أدراج النسيان، وهذا أمر طبيعي في بلد مشقوع على الكيديات السياسيّة، والتناقضات المذهبيّة. إلاّ أن الملمّين بخلفيات الأمور يتعاطون مع الوقائع بجديّة غير مسبوقة لاعتقادهم بأن الملف قد خرج، ومنذ اللحظة الأولى، من نطاقه المحليّ الضيق، ليرتبط بملفات ثلاثة تقلق السياسييّن اللبنانييّن، وتضعهم أمام استحقاقات مصيريّة تتناول: مستقبل نظامهم السياسي، ومستقبل العلاقات اللبنانية - السوريّة، وموقع لبنان في الشرق الأوسط الجديد.

لو ترك العجين في عهدة الفرن اللبناني، لكان مصير هذا الملف مماثلا للكثير من الملفات السياديّة التي انتهت إلى الكتمان، لكن اللبنانييّن يستيقظون اليوم، وبعد تحرير الجرود على واقع جديد، وكأن المطلوب نبش دفاتر الماضي، وإعادة محاكمة مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان، عندما وقع الفراغ الرئاسي على مدى ثلاث سنوات، وتولّت حكومة الرئيس تمام سلام تحمل تبعات المسؤولية الوطنيّة في تلك المرحلة التي شهدت تدفق النازحين السوريين، وتسلل «داعش» إلى بلدة عرسال، والإمساك بمفاصل البلدة شيئا فشيئا، وغياب القرار السياسي-الوطني الجامع الذي يخوّل الجيش باقتحام البلدة، والتوصل إلى تسوية خرقها «الداعشيّون» عندما تمكّنوا من الهروب نحو الجرود، مصطحبين معهم الجنود الأسرى.

والإصرار على بقر بطن تلك المرحلة، يعني الإصرار على الروائح الكريهة التي ستفوح، وتمزّق النسيج الاجتماعي الهش من جديد، وتقدم مجموعة من القيادات ككبش محرقة، لتعميق الشرخ الطائفي والمذهبي، وتكريس منطق الغالب والمغلوب، وعلى قاعدة أن الغالب هو الفريق الذي لم يقطع صلات الود مع النظام في سوريا، في حين أن الفريق المغلوب، هو الذي يتمحور حول رئيس الحكومة سعد الحريري، وخياراته السياسيّة المحليّة، والإقليميّة.

ويأتي حزب الله في طليعة المتحمسين لإحداث مثل هذا الانقلاب، لأن همّه الأول الاستمرار في إثبات نفوذه، وهذا لن يتحقق إلاّ من خلال دور يضطلع به، لكي يبقى في الصورة عند كل مستجد، وأمام كلّ استحقاق. انتهى دوره في الجنوب عند «الخط الأزرق»، والقرار الدولي 1701، وانتداب أكثر من 15 ألف ضابط وجندي من القوات الدوليّة (اليونفيل) للسهر على «الستاتيكو» في تلك المنطقة. وانتهى دوره في القلمون السوريّة، وجرود عرسال، عندما نسب لبطولات مقاتليه، شرف تحريرها من «الدواعش». إنه يبحث الآن عن دور، عن وظيفة جديدة، كي يبقى في الصورة محافظا على حضوره وديناميته، هل يعود إلى الجنوب ليلهب الأرض، ويستدرج إسرائيل إلى حرب جديدة؟. هناك محاولات كانت لا تزال خجولة حتى الآن؟!. لكن الجديد، والمثير في آن، أن أصواتا من صفوفه، وكوادره، بدأت ترتفع، كفى دماء. كفى قتالا، كفى شهداء، لنخرج من لعبة الدم، لا بدّ من البحث عن دور سياسي ضامن داخل النظام، وتركيبته، للحفاظ على ديمومة الحزب، وديمومة حضوره في الشأن العام.

يريد الرئيس العماد ميشال عون الحقيقة لأهالي العسكريين الشهداء ولكن في موازاة هذه الحقيقة، هناك من يريد أخذ لبنان إلى واقع جديد، إلى خريطة سياسيّة-جغرافيّة من التحالفات مع سوريا، وإيران، والعراق، في مواجهة الآخرين، كل الآخرين المتخندقين في المحور المقابل. ويريد عون الدولة بمؤسساتها الناظمة الفاعلة، فيما يريد الحزب تكريس ثلاثيّة «الجيش، والشعب، والمقاومة» في صلب النظام، ورغما عن معارضيه، على حساب ثلاثيّة «الدولة، والجيش، والشعب» التي ينادي بها رئيس الحكومة سعد الحريري؟!...

انتهت معارك الجرود... لتبدأ معارك من نوع آخر، أي لبنان؟ وأي نظام وكيان؟!.

كاتب لبناني